ورشة فهرسة الكترونية في المكتبة الشرقية بمساعدة طلاب اكتشفوا كنزاً
يُخيّل لزائر المكتبة الشرقية للمرة الاولى انه يدخل التاريخ... فيشعر بالهيبة. هنا في هذا المكان الشاهد على حقبات تاريخية عدة يقبع تراث الفكر المشرقي. قد لا يعرف كثيرون قيمة هذه المكتبة التابعة لجامعة القديس يوسف بما تحويه من وثائق ومخطوطات ومراجع، لكن الاكيد ان الجولة الاولى في "دهاليزها" تولّد الرغبة في المزيد من "مواجهة" التاريخ. هذا ما حدث مع مجموعة من طلاب الجامعة انخرطوا في مشروع "الفهرسة الالكترونية" الذي اطلقته المكتبة أخيراً، وبدوا للوهلة الاولى "وكأنهم اكتشفوا كنزاً"، على حد تعبير مديرة المكتبة مي سينيوري. والمشروع يتضمن أيضاً اعادة هيكلة المكتبة، فيمضي الطلاب نحو اسبوعين في المستودعات في اطار عملية ازالة الغبار والتعقيم وتنظيم الرفوف قبل الانتقال الى العمل لمدة أسبوعين في الفهرسة الالكترونية
وهكذا انطلق العمل الذي سيمتد لسنتين او ثلاث، علماً ان الطلاب تم اختيارهم من طريق مكتب "الخدمة الاجتماعية" في الجامعة. وهم يعملون بمعدل 5 ساعات يومياً مقابل أجر يساعدهم في تسديد جزء من اقساطهم وتتحدث سينيوري عن تاريخ المكتبة التي أسسها الآباء اليسوعيون في عام 1860 في غزير ونقلوها معهم الى الاشرفية عندما أسسوا جامعتهم في عام 1875: "تحوي اكثر من 3500 مخطوطة تنفرد بها، وهي مكتبة متخصصة في الفكر المشرقي والاديان والآثار والتاريخ واللاهوت خصوصاً، وأيضاً تاريخ الفلسفة والعلوم وتاريخ الفنون... هي بمثابة مكتبة وطنية في غياب هذه الاخيرة. وهي مفتوحة لطلاب الجامعة اليسوعية، وللعموم ايضا مقابل بدل اشتراك رمزي. وكذلك كلفة الاشتراك مخفّضة الى النصف لاساتذة الجامعة اللبنانية وطلابها". "وماذا عن الاقبال على المكتبة؟"، تقول: "بقدر وجود باحثين في لبنان، علماً ان مواضيع بحث عديدة لا يمكن ان توجد الا هنا في المكتبة الشرقية" وتقول سينيوري، ان "المجموعات الفوتوغرافية الخاصة بالمكتبة هي من الاوسع في لبنان من حيث قدمها وتنوعها، اذ بدأت تتكون على ايدي الآباء اليسوعيين الذين اتى اهتمامهم بالتصوير من منطلق عملهم الكهنوتي وتخصصاتهم المهنية". وقد برع في هذا المجال مثلا الاب اليسوعي انطوان بوادبا في التصوير الجوي للمواقع الاثرية في لبنان وسوريا. كما اهتم الاب جوزف دولو في بداية القرن العشرين بتصوير مدارس القرى اللبنانية في البترون وجبيل وكسروان ساحلاً وجرداً. وقد اصبحت هذه الصور الدليل الحسي على مجهود محو الامية الذي كان قائماً وعلى نشاط الارساليات خصوصاً. "هذه الصور مهمة من الناحيتين الفنية والاكاديمية وشكلت منطلقاً لبحوث علمية"، وفق سينيوري. ومن كنوز المكتبة أيضاً، جناح "تاريخ الصحافة" حيث اعداد "لسان الحال" وحديقة الاخبار" وغيرهما... "ولكن اوراق الصحف تهترئ بسرعة، ما يجعل عملية حفظها غاية في الصعوبة"، تقول بأسف اما الكنز الاكبر فقد يكون المخطوطات الـ3500 التي خضعت لورشة طويلة تضمنت ترميمها ورقة ورقة واعادتها الى حالة جيدة قدر الامكان، اضافة الى جدولتها وترقيمها وحفظها الكترونيا على اقراص مدمجة، وهي اليوم محفوظة في غرفة خاصة مبرّدة على الدوام، علماً ان المخطوطات مخزّنة في مغلفات كرتون خاصة لحمايتها ولا يمكن أحداً تفحّصها الا بعد اذن من ادارة المكتبة. وتأمل سينيوري ان "يطال مشروع المكننة كل المستودعات"، ولكنها تؤكد ان العملية طويلة ومعقدة
"أحبّ الغبار"
للغبار المنتشر على رفوف الكتب في المستودعات نكهة مختلفة هنا في المكتبة الشرقية: هذا غبار التاريخ والدليل على صمود الكتب في مواجهة الحروب والاهمال، يذكرك انك في حضرة الذاكرة الطلاب المنخرطون في مشروع الـ catalogage online الحالي لم يتعوّدوا هذه الاجواء، ولكنهم اليوم في غاية السعادة لمشاركتهم في المهمة. هذا ما يؤكده عبدالله أبي رعد المتخرج من كلية العلوم الاقتصادية والذي سيتابع السنة المقبلة دراساته العليا: "أنا سعيد لأنني جزء ولو صغير من مشروع مهم"، مشيراً الى انه يكتسب ثقافة من خلال عمله على المراجع وتبويبها وكذلك تقول اليان ابرهيم طالبة الماجيستير في ادارة الاعمال، انها تكتسب "خبرة فريدة من نوعها"، مؤكدة انها تميل الى هذه الاجواء الثقافية، رغم ان تخصصها بعيد من ذلك. وتثني عليها زميلتها مارييل قسطنطين التي تتخصص في التربية بالقول: "كلنا حماسة لهذا المشروع" وقد يكون رافاييل شكري الطالب الوحيد الذي كان يعرف المكتبة قبل الانخراط في المشروع. وقد التقيناه في احد المستودعات يضع قناعاً على وجهه ويدوّن في كومبيوتره المحمول معلومات عن الكتب، فقال: "أحب الغبار!"، علماً انه يدرس التاريخ والعلاقات الدولية ولا يخشى على صحته من العمل في الغبار او الرطوبة لساعات متتالية. وأجمع الطلاب الذين التقيناهم ان "الفضل في انخراطنا بسرعة في المشروع يعود الى الموظفتين في المكتبة جيسي غانم وماري اوهانيسيان اللتين ترافقاننا من كثب في كل خطوة نقوم بها وتبثان الحيوية فينا وقد تعبتا معنا لتعليمنا أصول المهنة الأولية"
جويل رياشي
النهار
Anglais
Arabic