افتتاح حلقات الحوار 24 ساعة بحياة الرئيس في جامعة القدّيس يوسف مع الرئيس ميشال سليمان
أكّد الرئيس العماد ميشال سليمان أن "لبنان وطن الرسالة بامتياز"، داعيًا الشباب "لكي يكون لديهم الأمل بهذا الوطن لأن شعبنا ملتزم بالعقد الاجتماعي والحياة المشتركة والعيش معًا، ولكن الطبقة السياسية هي التي أفسدت الحياة السياسية"، مجدِدًا التأكيد أن "الدستور يحتاج إلى سدّ الثغرات التي ظهرت من خلال الممارسة، ولكن عندما يقول رئيس الجمهورية كلمته لا يستطيع أحد أن يردها وموقف الرئيس يسمع في كلّ العالم عندما يتكلّم من منطلق سيادي"، معتبرًا أن "أول من يجب أن يدخل إلى السجن هو من يعطل الدستور ومن يحمل سلاحًا غير شرعي ويعتدي على سيادة الدولة والسلم الأهلي"، مبديًا الأسف الشديد لأن "هناك من يستسهل الفراغ حتى أصبح التعطيل في لبنان مصيبة يجب الخروج منها كونها تدمر كلّ شيء".
مواقف الرئيس سليمان جاءت مساء الخميس 13 كانون الأول في خلال اللقاء الذي جمعه في كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة في جامعة القدّيس يوسف (اليسوعيّة) بدعوة من قسم التاريخ والعلاقات الدولية مفتتحًا الحلقات الحوارية تحت عنوان "24 ساعة بحياة الرئيس"، بحضور النواب: نديم الجميل، عماد واكيم، ايدي ابي اللمع وجان طالوزيان، والوزراء السابقون : أليس شبطيني، ناظم الخوري وسجعان قزي، وسفراء وشخصيات أكاديميّة وثقافيّة وتربويّة وعسكريّة ورئيس الجامعة اليسوعيّة البروفسور سليم دكّاش اليسوعيّ ونواب رئيس الجامعة وعمداء الكليّات وطلاّب قسم التاريخ والعلاقة الدولية في الجامعة وحشد من المهتمين.
وقائع اللقاء
افتتح اللقاء بالنشيد الوطني اللبناني، ثم كانت كلمة ترحيبية من رئيس قسم التاريخ والعلاقات الدولية في الجامعة الدكتور كريستيان توتل، شاكرًا الرئيس سليمان الذي لم يتردد للحظة في الموافقة على أن يكون أول من يفتتح سلسلة الحلقات لا بل أبدى استعدادًا كبيرًا ورغبة عالية بمقابلة ولقاء الطلاّب، وقال "نحن ندرّس عن الحرية والاحترام المتبادل مع الآخر، ونعلّم الطلاّب تاريخ لبنان بإيجابية، وقد اخترنا 15 طالبًا لمحاورة الرئيس العماد ميشال سليمان وهم من قام بتحضير الأسئلة، والرئيس لم يطلع على أي سؤال لا بل رفض الاطلاع حتى على المحاور"، وتوقف أمام "ذكرى جبران تويني شهيد الكلمة والحرية وكلّ الشهداء الذين قضوا في الطريق ذاته".
بعدها كان عرض لفيلم وثائقي قصير يؤرّخ لأبرز المحطات في حياة الرئيس سليمان لا سيّما في المؤسّسة العسكرية وصولًا إلى سدة الرئاسة الأولى، بما يسهل على الطلاّب ان يلتفتوا إلى أمور قد تكون غابت عن تفكيرهم خلال اعدادهم لمحاور الأسئلة في اللقاء.
الرئيس سليمان
تحدّث الرئيس سليمان، طالبًا الوقوف دقيقة صمت لأجل كلّ الشهداء، ثمّ قدّم بصورة مباشرة عرضًا عن سيرته الذاتيّة ومراحل حياته، من ولادته إلى أبويه وشقيقته وأشقائه وزوجته واولاده إلى المدراس التي تتلمذ فيها وخياراته العلمية والمهنية، كاشفًا أنه كان أكثر ميلا لدراسة الهندسة، "لكن الظروف دفعتني للذهاب إلى المدرسة الحربية وبعد تخرجي أكملت دراستي في العلوم السياسيّة في الجامعة اللبنانية وحزت الإجازة"، وصولا إلى تسلمه قيادة الجيش وهو أكثر ضابط خدم في الجيش "إذ استمرّت خدمتي على مدى 41 عامًا" وانتهاءً بانتخابه رئيسًا للجمهورية، وهو أول رئيس بعد الطائف ينتخب بعد خروج الوصاية السورية.
وفي عرضه عن مسار مسؤولياته قال الرئيس سليمان "لقد جعلت من الجيش اللبناني جيشًا للوطن والشعب لا جيشًا للنظام، وكانت لي محطات أساسية في قيادة الجيش أبرزها مكافحة الإرهاب والمحافظة على حرّية التعبير في 14 آذار والقيم الإنسانية والعودة إلى الجنوب وكرّست الكفاءة في الجيش".
وعن مرحلة الرئاسة قال: "أول ما عمدت إلى تكريسه هو إرساء العلاقات الدبلوماسيّة بين لبنان وسوريا، وأعدت لبنان إلى الخارطة الدولية، لأنه إبّان الوصاية كانت هي من تملي علينا بطريقة غير مباشرة علاقاتنا الدولية وما هو مسموح وما هو ممنوع، وهذه العلاقات التي أقيمت أثمرت أمرًا مهمًا جدًا إذ أن الميثاق الوطني الذي عقد في العام 1943 تحوّل عبر إعلان بعبدا إلى وثيقة دولية، وتمكنت من إقناع دول القرار بإنشاء مجموعة الدعم الدولية للبنان، لدعمه سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، وطرحت الاستراتيجية الوطنية للدفاع، وأسارع إلى القول إن أمرين مطلوب من لبنان اعتمادهما سريعا وهما: تحييد لبنان عن صراعات المحاور والحروب الخارجية، وإقرار الاستراتيجية الوطنية للدفاع، كما قبلنا التحدي وانتخبنا عضوًا غير دائم في مجلس الأمن لسنتين وخاض لبنان هذه التجربة التي كانت محل إبهار دول العالم إذا كان الأداء ممتازًا".
وأضاف الرئيس سليمان "إن وضع لبنان على الخارطة الدولية عزّز الاقتصاد بشكل كبير جدًا ووصلنا في العام 2010 إلى نسبة نمو بلغت 9،5 في المئة أين نحن منها اليوم، وعملت على دعم الجيش لأن الثقة الدولية دفعت إلى وضع زيادة الدعم للجيش على السكة الصحيحة، كما استصدرت قانون برنامج لتسليح الجيش من خلال خطة خمسة لا زالت مستمرة. كما عزّزنا القوى الأمنية مما أدى ذلك إلى كشف شبكات التجسس والإرهاب، وصدرت قوانين مهمة كما عزّز دور القضاء من خلال المحاسبة الذاتية، وتمّ صرف أكثر من قاضٍ وأنجزنا أول تشكيلات قضائية من دون أي تدخل سياسي بحيث وقع المرسوم كما ورد من مجلس القضاء الأعلى، كما أنجزنا خطوة تسجيل الزواج المدني، ولكن بعد ذلك توقف التسجيل، وكرّسنا شطب الطائفة عن الهوية".
وتابع الرئيس سليمان "كان لدي دائمًا هاجس الشباب وأول خطاب في ذكرى الاستقلال توجهت فيه إلى اللبنانيين كان بحضور طلاّب الجامعات اللبنانية، وأجريت معهم حوارًا بعد الخطاب وتكرّر هذا الأمر، وأطلقنا وثيقة السياسة الشبابية وهي مهمة جدًا وعُمل عليها لسنوات من قبل الوزارات المعنية لا سيّما الشباب والرياضة والثقافة والجمعيات الشبابية، وكنت دائمًا أحرص على عقد لقاءات مع الشباب والطلاّب الذين كانوا أوفياء عندما تعرضت للهجوم فسجلوا المواقف المناسبة في جامعاتهم وأماكن نشاطاتهم، ولم أتلكأ عن رعاية ودعم النشاطات الرياضية والثقافية وتخريج الطلاّب وكان لليسوعية نصيب لأربع سنوات من رعايتي لحفل التخريج".
وتوجّه إلى الطلاّب بالقول "عليكم التمرّد على رياح التشرذم والتفرقة والإحباط، والانخراط في الحياة السياسية، وهدم الحصون الطائفية والمذهبية، والانخراط أكثر في صفوف المجتمع المدني، وأنا من المطالبين بقوّة بالسماح لمن هم في سن الثامنة عشرة بالاقتراع، وأيضًا مشاركة المرأة بفعالية في الحياة السياسية على مستوى الوزارة والنيابة والوظائف من الفئة الأولى، وكان لي شرف أنني اخترت نساء لتولي حقائب وزارية، وبدل التقدم أكثر في موضوع الكوتا النسائية التي طرحتها للأسف وجدنا أنهم تراجعوا خطوات إلى الوراء".
حوار
ثم دار حوار حيث ردّ الرئيس سليمان على أسئلة الطلاّب التي تمحورت حول الجانب الشخصي والحياة العسكرية ومرحلة الرئاسة إلى المواقف والقرارات التي اتخذها، فأكّد أن "اللقب الأحب على قلبه هو عماد، بالإضافة إلى ما سمعته في الآونة الأخيرة في إحدى المناسبات حين خاطبوني بـ"فخامة التواضع"، وأنه لا يشتاق إلى قصر بعبدا"، مسجلاً الدور المحوري لزوجته السيدة وفاء سليمان التي "ساعدتني كثيرًا كونها تحبّ الحياة العسكرية"، مشيرًا إلى أن "بنى صداقات واسعة محلية وعربية ودولية وهي مستمرة حتى اليوم ولكن بعد الرئاسة لا أحبّ أن أزعجهم لكن إنما أحافظ على تواصلي معهم".
وقال ردًا على سؤال "الأصعب كانت رئاسة الجمهورية لأنه في قيادة الجيش أعمل مع فريق عمل متجانس في تربيته وتنشئته العسكرية، بينما في السياسة لا دين ولا يقين، كان هناك أمور أريد إنجازها منعت من تحقيقها لعدم وجود أكثرية نيابية، وللأسف التعطيل في لبنان مصيبة يجب الخروج منها، وتمنيت لو استطعت أن أضع القوانين والمراسيم المراسيم التطبيقيّة للوثيقة الشبابية وأن أضع حدًّا نهائيًا للفساد السياسي الأخطر الذي يعطل انتخاب رئيس جمهورية ويمدّد لمجلس النواب ويمنع تشكيل الحكومة، وقوننة إلزامية حضور النائب جلسات مجلس النواب في الاستحقاقات الدستورية".
وأضاف ردًّا على سؤال "لقد نجحنا في إعادة لبنان إلى الخارطة الدولية ومن دون إذن من أي وصاية، واحتضنا قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان يونيفيل التي لم يسأل عنها أي مسؤول لبناني، فكنت أول رئيس جمهورية يزور مقرّ (يونيفيل) في الناقورة بعد 30 سنة من وجودهم في لبنان ولم أكتفِ بذلك إنمّا عمدت إلى زيارات رسمية إلى كلّ الدول التي تشارك في عداد الـيونيفيل".
واعتبر ردًّا على سؤال "أن إعلان بعبدا هو أهم وثيقة وفاقيّة صدرت منذ العام 1943، ولا يمكن التحلّل منها لأنها أصبحت وثيقة دولية وتبعها تشكيل مجموعة الدعم الدولية للبنان، وكرّست الانفتاح على الدول من دون تبعية، وفرضت احترام رئيس لبنان لأن كلامه واضح وحاسم، ويعتمد على سيادة لبنان ومصلحته وتحييده من الصراعات ما عدا القضية الفلسطينية".
وأوضح ردًّا على سؤال "نحن تربينا على فكرة الله يساعد لبنان إذا خرج السوري من لبنان، لقد خرج السوري ولم تحصل ضربة كف واحدة ولم ينقسم الجيش كما كان يتم التهويل من قبل البعض، ومع الربيع العربي اندلعت الحرب في سوريا ولم يحصل شيء في لبنان، لأن لبنان رسالة ولكن السياسيين يشوهون هذه الرسالة، وأملي كبير أن لبنان سيعود ليلعب دوره والرهان على الشباب وعليكم ألاّ تفعلوا مثلنا، لأنه كان مكتوبًا أن يبدأ الربيع الدموي من لبنان عند استشهاد الرئيس رفيق الحريري، ولكن الجيش في حينه منع ذلك وحوله إلى ربيع ديمقراطي، ونحن أول من استطاع ضرب الإرهاب في لبنان قبل أن تفرّخ داعش في دول أخرى".
وحول محاربة الفساد قال الرئيس سليمان "أكبر فاسد دخل السجن في عهدي كان ميشال سماحة وكلّفني ذلك عداوات مستمرّة إلى اليوم، وأيضًا بدأنا بالقضاء الذي طلبت منه أن لا يخضع للتهديد والترهيب، كما تمّت إقالة بعض القضاة ومعاقبة وطرد بعض الموظفين من قبل هيئة التأديب، لكن مكنة التعطيل الموجودة في البلد تجعل الأمور بطيئة".
ولدى سؤاله عن القرارات الصعبة في حياته أكّد "أن أصعب هذه القرارات في حياتي العسكرية رفض طلب السلطة السياسية قمع مظاهرات 14 آذار وهذا القرار أصعب من قرار خوض معركة نهر البارد الذي كان واجبًا وفاء لشهداء الغدر، أما في حياتي السياسية فهو قرار الدخول إلى عضوية مجلس الأمن الدولي واتخاذ المواقف الصحيحة".
وفي ردّه على سؤال عن مصير الإرهابي شاكر العبسي كشف الرئيس سليمان لأول مرّة "أن شاكر العبسي استطاع الهرب عبر نقاط الوصل بين وحدات الطوق على المخيم حيث انتقل إلى مخيم البداوي ومن ثم إلى سوريا، وعندما التقيت الرئيس السوري بشّار الأسد في باريس طلبت منه أن تسلّم السلطات السورية العبسي إلى السلطات اللبنانية، فأجابني بالقول ألم يخبروك إنه قتل منذ ثلاثة أشهر على حاجز للمخابرات السورية، أما ما حصل في عرسال كان يجب أن لا يخرج من ذبح العسكريين وقاتل الجيش عبر البوسطات المكيفة وكان يجب أن يفرضوا عليهم تسليم من قتل العسكريين". مذكِّرًا أنه "لم يكن رئيسًا لدى مهاجمة عرسال من قبل داعش بل كان الفراغ سائدًا على قاعدة التعطيل المتكرّر".
وعن العلاقة مع حزب الله قال "حزب الله يترأس تحالف 8 آذار وأنا دافعت عن المقاومة في المنتديات الدولية، ولكنني منذ أن كنت قائدًا للجيش وإلى الرئاسة قلت وفي العلن أن يصب التحرير ويستثمر في بناء الدولة، ولكن حزب الله سرعان ما انخرط في حروب المنطقة من دون أن يقف على رأي طرفي الثلاثية الجيش والشعب أي الدولة وما يرتبه ذلك من تبعات على لبنان".
وعن مصير وسيط الجمهورية قال "الذي عطل وسيط الجمهورية هو الخلاف بين القوى السياسية الوازنة في مجلس الوزراء وللأسف على طائفة وسيط الجمهورية".
وردًّا على سؤال إن كان تعرض لتهديد مباشر وهو في الرئاسة قال "هناك الكثير من التهديدات المحفوظة وهي من الأسرار التي اطلعت عليها قيادة الجيش، إنّما يمكنني الحديث عن ما حصل عقب عيد الجيش في الأول من آب 2013 يوم ألقيت خطابًا في تخريج التلامذة الضباط التي حملت دورتهم اسم ضابط شهيد عزيز جدًا على قلبي يومها تحدّثت عن هذا الضابط ومعنى شهادته الحقيقيّة وهو الذي استشهد في معركة نهر البارد ودمه روى التراب اللبناني وفي ذات الليلة استهدف القصر الجمهوري بصاروخين سقطا في محيطه والأجهزة الأمنية رجحت الجهة أنها من الإسلاميين المتطرفين.
وكشف عن أنه "في أحد اللقاءات مع الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي بادرني إلى القول ما رأيك لو نخرج سويًا بعد اللقاء وتعلن الاستعداد للتفاوض مع إسرائيل، فقلت له على الفور لبنان آخر بلد يفاوض إسرائيل وآخر بلد يعقد معها سلامًا".
وبعد اللقاء أخذت الصور التذكارية وتمّ الاتفاق على استكمال اللقاءات في الأيّام المقبلة حول أمور لم يسمح الوقت في تناولها بالتفصيل والإيضاح.
Anglais
Arabic