Queen Abou Antoun
Related Articles
"عيناكِ مفتوحتان، ولكنّكِ غيرُ مبصرة..."
ما إن سقطَتْ هذه الكلمات على مسمعي حتّى أدركتُ أنّ الحقيقة التي صادفها جبران من مئة عامّ قد خرجَت من بئرها بكلّ ما فيها من عُري وتجرّد. عرفتُ حينها أنّ الحقيقة تجرحُ فعلًا، لا لتؤذي أحدًا، بل لتفكَّ سلاسل الجهلِ التي تقيّد المرء لسنوات والتي لا مفتاح لها... كانت هذه المرّة الأولى التي أسير فيها دون عكّازٍ وقيود، وقد رميتُ البوصلةَ من جيبي ومزّقت خريطة هذا العالم، لأنّ الخطوط لها حدود وقضبانُ سجنٍ ماكر. ومنذ ذلك اللّقاء، لقاء الحرّيّة، أقسمتُ ألّا يخرج صوتُ الحقّ إلّا من الأقلام وألّا أسير على أرض اختارها الله عقابًا، وأن أحلّق على السّحاب والبحار، وأمتطي الشّهب السّماويّة وأحادث صمت الفضاء.
وجدتُ الإنسان، عندما وجدني الفنّ ظمآنةً عند ذلك البئر العجيب... وحينها، اكتشفتُ أنّ القصيدة الحقيقيّة لا تُكتب على الأوراق بل تُحيَّك بنسائم الوجد، وأنّ الجرارَ لا تُملأ بالخمر بل بالحبر الذي يقطر دمعًا صادقًا. وبدت لي العرائش محمّلة برسائل الشّوق والحنين، وصارت الزّهور مزروعة في مزهريّةِ وعود لا تُكسر تذكّرني بوعدِ الشّمس النّور بعهدِ الرّبيع لبراعم اللّوز... وها هو قلبي مودَعٌ في زجاجة الأسرار، سلّمته أمانةً للبحار، لتكون الأمواج مرسال الحبّ وسفينةً تقرّب المسافات.
وجدتُ السّلام، عندما وجدني الفنُّ في أفقرِ الأحياء، حيثُ يُسقى الزّرع بعرق الجبين وتُبنى البيوت على سواعد الأمّهات. وإنّ أعذب المشاعر، قد قرأتُها على جدرانٍ زيّنها أطفال الشّوارع بالكلام ورسموا عليها ما عجزت المتاحف عن عرضه. أمّا رسومات الأطفال البريئة للبيوت والشّمس والسّماء، فهي تٌظهر حقيقية العالم قبل أن يجرّ النّور ذيوله ويرحل.
وجدتُ الطّرب، عندما وجدني الفنّ خارج المسارح الضّخمة، بعيدًا عن تصفيق جمهورٍ أصمّ لا يرى سوى السّتار الأحمر عند أقصى حدود نظره. الفنّ يحتاجُ إلى خشبة تشبه تلك الخشبة التي يقف عليها العصفور ليغرّد لا تلك التي يعرض عليها "الممثّلون" كلامًا على ورق. الفنُّ الخام حاضر بذاته خلف الكواليس، في الأزقّة المنسيّة، على حافّةِ نافذة مهجورة. ترانيمه في السّهول مسموعة وعلى أوتار المطر معزوفة وبألسنة جوقة من الزّهور مردّدة.
وجدتُ نفسي، عندما وجدني الفنُّ في المرآة... وأدركتُ حينها أنّه، وقبل أن ينحتَ الصّخر، نحتَ ملامح الانسان على صفحات العمر والتقَطَ لعينَيهِ صورًا تتكلّم. فما هو الفنّ إلّا رحمة من الله، قال فيها لآدم: "أطردُكَ من الجنّة لأنّك خطئتَ، ولكنّك تبقى نفَسًا من أنفاسي... فخُذ معكَ حفنةً من تراب الجنّة، وانثرهُ في زوايا الأرض، لعلّك بذلك تستذكر بيتَ أبيكَ الذي يحبّكَ كثيرًا..."
الفنُّ، ممحاةُ الأفق
صوتُ حبيبٍ بعيدٍ زارني هذا المساء، وأخذني في أحضانه كأنّه جمرة مشتعلة هبطت من الشّمس في قنديلي. هذا الخطّار العزيز مزّق قوانين الفيزياء والبيولوجيا، وأخذ من فؤادي خريطةً لأحلامه... ولكنّني، لا أريد للألحان الحرّة أن تسكن خفايا قلبي، فضيّقة هي عليها، والعفن قد ساد زواياها. أريد لهذا الصّوتِ الرّنّان أن يسرقني من نفسي، لا أن يسكنني فيموت معي. آه يا جبران، كم كان لكَ من الحكمة لتقول: الكون حلمٌ والجسد سجنٌ ضيّقٌ. وكم لي من البؤس والأسى لأقول: الحلم انقضى، وحان وقت النّزول عن عرش العظمة، ومصافحة الواقع القبيح بكلّ رضًى وخضوع. إنّ الحزنَ هو أقوى من حَكَمَ الأرض، ملكُه أزليّ، يحتلّ الخيال بجبروت عظيم. وأنتِ أيّتها الموسيقى، يا حبيبتي ومسلّيتي، ما أنتِ إلّا جرعة مؤقّتة من المورفين، أحاول بكِ الشّفاء، ولكنّني لا أستطيع... إن كنتِ حقًّا شفاءً للرّوح، فعبثًا أحاول الشّفاء ومرضي مستعص.ٍ
من نافذة زنزانتي الضّيّقة، يناجيني صوتُ أمّي وهي ترنّم للحرّيّة، وكأنّها من رحم الأوجاع وُلِدَتْ لتفرد جناحَيها وسع المدى. لماذا جئتِني يا أمّي، لتغنّي لي قليلًا وترحلي؟ السّجن رحيم لا يكذب، أمّا صوتكِ فيسقيني من كئاس الحّريّة رشفةً، قبل أن يركل الكأس ويتركني وحيدةً دون صدًى أو همسة. يا أمّي، يا عاصمة الموسيقى، ويا أنشودة الفرح التي أضعتُ كلماتها، لو نسجتِ أوتارك على الغصن العاري، لغنّتِ الشّجرة لكانون وأشعلت في قلبه الحنّيّة... ولكن ما نفع هذا الكلام وأنتِ بعيدة؟ أتستطيع القيثارة أن تدندن الأنغام، وعازفها غائب لا عنوان له ولا أثر؟
ورغم يقيني التّام أنّني ألجأ للموسيقى فقط للهروب من الواقع والعيش في عالمي الخاص مؤقّتًا، إلّا أنّني أتمسّك بها يومًا بعد يومٍ، وكأنّني جنديّ ذاهب إلى الحرب، وما لي سوى الموسيقى ليتجدّد فيّ الاندفاع والولاء لقضيّة لا أعرفها. هل تدفعني إلى الموت أم إلى الانتصار؟ لا أدري، لكنّها تجعلني أسير بدل أن أبقى واقفة في مكاني. والغريب أنّني لا أعرف من اللغات سوى ثلاث، ومع ذلك، فأنا بالموسيقى أفهم كلّ لغات العالم؛ أعيش فيها دور الثكلى، والعجوز، والعاشق، والخائن، وغيرها من الأدوار، لأستشعر الإنسان بكلّ أوجهه. غريبة هي، كقناع أختبئ خلفه من الحياة، لأكتشف لاحقًا أنّني بها قد عشت ألف حياة.
أأكتب الآن عن الموسيقى أم عن نفسي؟ أم أنّنا واحد؟ لا إجابة لديّ الآن… كلّ ما أعرفه أنّها طوق نجاتي، وخدعة كبيرة أعيها جيدًا، ومع ذلك أحبّها حبًّا لا يُقاس.
الموسيقى، لوعةٌ طيّبة المذاق!
من هنا، مرّ الحلمُ المنسيّ، وشقّ في وجنتيَّ أروقةً لم تلتئم قطّ... قالوا: "كُلّلتُ بالورد، يا لفرحتها!" ولكن، أغابَ عنهم أنّ الورد يذبلُ؟
يا كفيفةَ العينينِ، يا نفسي، ما نفع الأجنحة الحرّة والعُكّاز بوصلةُ دروبك؟ أيّتها القبطانُ المقدام، تطمحين للإبحار في غياهب الأيّام، وما إن يسقط الحصى الصّغير على سطحكِ حتّى تسكري؟! الجبروتُ، يا حبيبتي، لمن يحمل الصّولجان المذهّب، وأمّا عصاكِ السّحرّيّة فلا جدوى منها إلّا في الحكايات! نعم، بهذه القسوة والانهزام، أقف بكلّ شجاعةٍ أمام المرآة... وبهذا التّمرّد، تصطادني شظايَ قلبي من وسط السّراب، وكأنّ القلبَ بموتي يحيا.
أين أنا الآن، يا نفسي؟ على الشّاطئ! وأمامي سفينةٌ ضخمة راسية لا تتحرّك. عملاقةٌ هي، تكاد تمزّق الأفق وتخترق الجغرافيا بعرضها وثقلها. صوتٌ ما من صميم السّموات يهدر، يريدني أن أفلتَ السّفينة من المرساة... أحاول، ولكنّني لا أستطيع! وكيف ذلك، وأنا أوّل المتّكئين عليها، المُحتمين في ظلّها! ولكن، عليها الرّحيل، أليس هذا ما يقوله منطق الأشياء؟ عليها أن تبتعدَ شيئًا فشيئًا، لتصغر تدريجيًّا وتضمحلُّ في ظلمة البحار. عليها أن تنطلق، ولكنّ المشكلة ليست بالسّفينة ولا حجمها؛ المشكلة فيَّ أنا!
وفي صخب هذه المتاهة الفلسفيّة المعقّدة، انكشف السّتار وخلصتُ أنّني أسيرة ماضٍ طواه الزّمان في كتب التّاريخ التّافه، ولا أزال أنا أحضنه كجرحٍ قديمٍ أخاف التئامه أكثر من التهابه... كثيرًا ما أنسى أنّ الاحتماء بالمظلّة يحجبُ الشّمسَ عن القمح، وكثيرًا ما أهجرُ روضتي في الخريف، لأعود إليها في الصّيف مطالبة بجنيٍ لم أزرعه... وها أنا أكتبُ إليكم اليوم بالحبر، كالجالس على كرسيّ الاعتراف، وذلك لأنّ قلمي لا يتلعثم ولا يكذب... أكتبُ إليكم وأوصيكم: إن مررتم يومًا بجانب حلمي، أخبروه أنّني في ضجيج الحياة معتقلة، أرى نورًا؛ ذاك الذي يأتي وسط العاصفة ليعمي البصيرة.
حين يبوح القلم بالأسرار، تسقط الأقنعة!
كان القدر متّكئًا على حافّة الصّدف حين وُلدَتْ...
هناكَ على شاطئ منفيّ، بلّل الخالق ريشته بمحبرة المعجزات، فخطّ الشّفق على الأفق، وكحّل الغيم بالدّيجور، ففاضت السّماء دمعًا سخيًّا.
من رحمها، انطلق الحرف في زورق العالميّة، كمن أفلت عصفورًا من سلاسل الجهل، وقُطع خشب الأرز لينقش معابد الآلهة في ذاكرة الأكوان. وهكذا، كانت امرأةٌ أشبه بلؤلؤة ضائعة في هدير اللّجج، باكورة الأناشيد وانبثاق فجر التّاريخ. من ثوبها اللّيلكيّ، استفاق الياسمين من سكرة الغسق، ومن جنّة عدنٍ، هطلت قطرة ندًى على جبهة الأرض، ففاض السّنا من طيّات الزّمان.
لها صوت يدندنُ على أرصفة الخريف، فينبتُ القمحُ من الفيروز ويعصف الزّمهرير من لبب الورد. وقبل أن تسكن الكلمة ضفاف الشّفاه، وقبل أن يسكب الخمر في جرار قانا، كانت هي، تسير مسيرة النّضال لترفع الانسانيّة من درك التّعصّب ووحول البغضاء إلى قمم المُثل والقيم.
وبينما تتأرجح الأيّام بين اليوم والأمس، تراها سارحة في قلعة التّراث وفي يديها صولجان من أعمدة بعلبكّ، ومن ثوبها تُجرّ الأنهار كأذيال من الياسمين. وشاحها نسيم الصّباح، يلفّ شعرها المنسوج بالثّلج، المحيّك بالصّنوبر، والمزيّن بالغار والزّيتون. وها هو صدى الأجداد في زوايا قلبها يرتطم، فيفيض النّبيذ من الكروم، ويُسكب الشّعر في كئاس الفنّ.
هي امرأةُ تتربّع على عرش الزّمان، مجبولة ببخّور عذب وعنبر فوّاح، واسمها لبنان...
عاصمة الحضارة هي، وملتقى أوتار العود الرّنّان.
قيثارة كانت في العلياء، قبل أن تتدفّق ألحانها مطرًا على أرضنا العطشى.
على ضلوعها بُنيت مدن العهد القديم، وسيّجت عناقيد السّلام ساحات معاركها.
إنّها لبنان، أوّل من كتب الألف وآخر من سيخطّ الياء.