Jenny Tannous
Related Articles
قد تكون الساعة الثالثة فجراً في مدينة أوروبية أو في إحدى دول الخليج. يهتز هاتف، مرةً ثم اثنتين. تتوالى الإشعارات بلا توقف.
وعلى بُعد آلاف الكيلومترات، تفرض الحرب نفسها داخل غرفة صامتة.
يعتقد الكثير أنّ المسافة تحمي، وأنّ مغادرة لبنان تتيح للمغتربين أن ينغمسوا في حياتهم، متحرّرين من القلق وآمنين تماماً. يا لجرأة من يجزم بأنّ اللبنانيين في الغربة غير مبالين بعائلاتهم وأصدقائهم وقراهم والأرض التي صنعتهم! فهؤلاء اللبنانيون يتعرّضون باستمرار لأخبار الحرب والتهديدات التي تضع حياة الجميع في خطر، من دون أي تمييز.
كيف يمكن اختزال المتأثّرين بسهولة في مجرّد تسميات أو فئات أو انتماءات؟ وكيف يُغفل أنّهم بشر قبل كل شيء، يدافعون عن أرضهم وكرامتهم وشرفهم؟ إنهم أناس يُقاومون كي يبقوا في منازلهم، ويسعون إلى مواصلة العيش بين أهلهم وهم يرفضون ترك بيوتهم وخوض المجهول.
أن تكون لبنانياً في الخارج هو أن تحمل في داخلك رغبة عميقة في استعادة لحظات الفرح والأمل، والمشاركة في الاحتفاء، وأن تشعر من جديد بوعد حياة أفضل تنتظرك. وهو أن تشتاق إلى فرصة للعودة، ثم تُجبر على التخلّي عنها بسبب أحداث غير متوقّعة
هو أن تتمنّى حضور القداديس العزيزة على قلبك، وأن تشارك عائلتك لحظات النعمة، وأن تتذوّق المعمول، بينما تدرك في الوقت ذاته أنك أصبحت أسير أرض ليست لك، في حين أنّ أرضك تسكنك، معلّقة بين غموض العالم وتقلّباته. فغالبًا ما يشعر المرء أنّه يعجز عن أبسط الأفعال، ويترقب بشدة فرصة جديدة للعودة إلى وطنه، لإعادة الاتصال بجذوره، واستعادة كل ما يشكّل هويته.
في مثل هذه اللحظات، يصبح من الضروري التفكير في جميع الذين يعيشون بعيداً عن لبنان، والذين يحنّون إلى العودة، ولو لمرّة واحدة، للقاء عائلاتهم التي يحبونها، والأرض التي وُهبت لهم إرثاً. فالمسافة الجغرافية، مهما اتّسعت، لا تحميهم من تأثير الحرب العميق؛ إذ تترك ندوباً نفسية واجتماعية وهوياتية دائمة. وحتى على بُعد آلاف الكيلومترات، يرافق الخوف والقلق والشعور بالعجز أولئك الذين غادروا وطنهم.
صدى وطنٍ بعيد يعجز الوصول إليه
لماذا تنوي اختيار الطّب؟ ألا تدرك أنّ حمله ثقيلٌ ويصعب تحمّله؟ وما نفع كلّ هذا العناء؟ آثر ما يوفّر لك مردودًا سريعًا في فترةٍ زمنيّةٍ وجيزةٍ. كثيرًا ما يُساءَلُ طالب الطّب أو كلّ من أرادَ اتّباع هذا المسار كلّ هذه الأسئلة. فهذا الطّالب الحالم والطّموح يحمل في داخله بذرةَ نجاح تنمو، غير أنّ أحكام النّاس تحيط بها كالأشواك فتعيق نموّها.
ليس اختيار الطّب قرارًا عابرًا، بل هو التزامٌ طويل الأمد، يختبر الانسان قدرته على الصّبر والتّحمّل قبل قدرته على الحفظ والفهم. ﺇضافةً إلى ذلك، فـﺈنّ طالب الطّب عليه من دون شكّ تقديم كلّ جهوده، وصبره وانضباطه في خدمة المجتمع، متناسيًا في أغلب الأحيان اﻹعتناء بنفسه أوّلًا.
من ناحيةٍ أخرى، يعيش كثيرٌ من طلاب الطّب حالةً من القلق تجاه مستقبلهم المهني، إذ تُوجَّه ﺇليهم تساؤلاتٌ متكرّرةٌ تشكّك في جدوى اختيارهم، وتُصوّر المستقبل الطّبي على أنّه وعدٌ فارغٌ في ظلّ التّطوّر التّكنولوجيّ المتسارع. ويذهب بعضهم ﺇلى الادّعاء بأنّ التّقدّم في مجال التّقنيّات الجراحيّة المتطوّرة قد يجعل دور الطّبيب البشري محدودًا أو قابلًا لـلاستبدال.
غير أنّ هذا الطّرح يغفل حقيقةً جوهريّةً، وهي أنّ هذه التّقنيّات ليست كيانًا مستقلًّا، بل أدوات طُوّرت على أيدي أصحاب الاختصاص، وتبقى بحاجةٍ ﺇلى العقل البشري لتوجيهها. كما أنّ الثّقة الكاملة لا يمكن أن تُمنَحَ لآلةٍ تفتقر اﻹدراك اﻹنساني، ولا تملك المشاعر، ولا تستطيع فهم المريض بصفته إنسان قبل أن يكون حالةً طبيّةً. فالطّبيب لا يداوي الجسد بالمعرفة العلميّة وحدها، بل يخفّف الألم بالكلمة، ويمنح الطّمأنينة بالحضور، ويؤثّر في المجتمع بـواسطة إنسانيته قبل مهارته.
ﺇذًا، الحقيقة أنّ الطّب طريقٌ لم يُرسم للجميع؛ فالخالق زوّد خَلْقَه بمواهبٍ وعطايا تحاكي مقدرة كلّ فردٍ وامكاناته. لذا، بما أنّك لا تستطيع التّوقف عن التّفكير بهذا الحلم، الّذي هو أنبل المهن وأسماها، فقدّر العليّ أن يكون من نصيبك وأعدّ لك هذا التّحدّي كي تكتشف أبعاد قدراتك المخفيّة.
من هنا، ﺇلى كلّ من أراد أن يسير في طريق الطّب بـﺈيمانٍ راسخٍ أقول:
كلّ مرّةٍ أردت أن تلتحق بطريقٍ ما، ستداهمك أصواتٌ كثيرةٌ، ليس لأنّها تعلم ما الأنسب لك، بل لأنّ هذا الطّريق أخافها. فالحقيقة هي أنّ أكبر عدوّ لنجاحك هو أنّ تحمل في قلبك خوفًا ليس لك.