En | Ar

الفنُّ، ممحاةُ الأفق

  "عيناكِ مفتوحتان، ولكنّكِ غيرُ مبصرة..."

  ما إن سقطَتْ هذه الكلمات على مسمعي حتّى أدركتُ أنّ الحقيقة التي صادفها جبران من مئة عامّ  قد خرجَت من بئرها بكلّ ما فيها من عُري وتجرّد. عرفتُ حينها أنّ الحقيقة تجرحُ فعلًا، لا لتؤذي أحدًا، بل لتفكَّ سلاسل الجهلِ التي تقيّد المرء لسنوات والتي لا مفتاح لها... كانت هذه المرّة الأولى التي أسير فيها دون عكّازٍ وقيود، وقد رميتُ البوصلةَ من جيبي ومزّقت خريطة هذا العالم، لأنّ الخطوط لها حدود وقضبانُ سجنٍ ماكر. ومنذ ذلك اللّقاء، لقاء الحرّيّة، أقسمتُ ألّا يخرج صوتُ الحقّ إلّا من الأقلام وألّا أسير على أرض اختارها الله عقابًا، وأن أحلّق على السّحاب والبحار، وأمتطي الشّهب السّماويّة وأحادث صمت الفضاء. 

  وجدتُ الإنسان، عندما وجدني الفنّ ظمآنةً عند ذلك البئر العجيب... وحينها، اكتشفتُ أنّ القصيدة الحقيقيّة لا تُكتب على الأوراق بل تُحيَّك بنسائم الوجد، وأنّ الجرارَ لا تُملأ بالخمر بل بالحبر الذي يقطر دمعًا صادقًا. وبدت لي العرائش محمّلة برسائل الشّوق والحنين، وصارت الزّهور مزروعة في مزهريّةِ وعود لا تُكسر تذكّرني بوعدِ الشّمس النّور بعهدِ الرّبيع لبراعم اللّوز... وها هو قلبي مودَعٌ في زجاجة الأسرار، سلّمته أمانةً للبحار، لتكون الأمواج مرسال الحبّ وسفينةً تقرّب المسافات.

  وجدتُ السّلام، عندما وجدني الفنُّ في أفقرِ الأحياء، حيثُ يُسقى الزّرع بعرق الجبين وتُبنى البيوت على سواعد الأمّهات. وإنّ أعذب المشاعر، قد قرأتُها على جدرانٍ زيّنها أطفال الشّوارع بالكلام ورسموا عليها ما عجزت المتاحف عن عرضه. أمّا رسومات الأطفال البريئة للبيوت والشّمس والسّماء، فهي تٌظهر حقيقية العالم قبل أن يجرّ النّور ذيوله ويرحل.

  وجدتُ الطّرب، عندما وجدني الفنّ خارج المسارح الضّخمة، بعيدًا عن تصفيق جمهورٍ أصمّ لا يرى سوى السّتار الأحمر عند أقصى حدود نظره. الفنّ يحتاجُ إلى خشبة تشبه تلك الخشبة التي يقف عليها العصفور ليغرّد لا تلك التي يعرض عليها "الممثّلون" كلامًا على ورق. الفنُّ الخام حاضر بذاته خلف الكواليس، في الأزقّة المنسيّة، على حافّةِ نافذة مهجورة. ترانيمه في السّهول مسموعة وعلى أوتار المطر معزوفة وبألسنة جوقة من الزّهور مردّدة.

  وجدتُ نفسي، عندما وجدني الفنُّ في المرآة... وأدركتُ حينها أنّه، وقبل أن ينحتَ الصّخر، نحتَ ملامح الانسان على صفحات العمر والتقَطَ لعينَيهِ صورًا تتكلّم. فما هو الفنّ إلّا رحمة من الله، قال فيها لآدم: "أطردُكَ من الجنّة لأنّك خطئتَ، ولكنّك تبقى نفَسًا من أنفاسي... فخُذ معكَ حفنةً من تراب الجنّة، وانثرهُ في زوايا الأرض، لعلّك بذلك تستذكر بيتَ أبيكَ الذي يحبّكَ كثيرًا..."

PARTAGER