
قد تكون الساعة الثالثة فجراً في مدينة أوروبية أو في إحدى دول الخليج. يهتز هاتف، مرةً ثم اثنتين. تتوالى الإشعارات بلا توقف.
وعلى بُعد آلاف الكيلومترات، تفرض الحرب نفسها داخل غرفة صامتة.
يعتقد الكثير أنّ المسافة تحمي، وأنّ مغادرة لبنان تتيح للمغتربين أن ينغمسوا في حياتهم، متحرّرين من القلق وآمنين تماماً. يا لجرأة من يجزم بأنّ اللبنانيين في الغربة غير مبالين بعائلاتهم وأصدقائهم وقراهم والأرض التي صنعتهم! فهؤلاء اللبنانيون يتعرّضون باستمرار لأخبار الحرب والتهديدات التي تضع حياة الجميع في خطر، من دون أي تمييز.
كيف يمكن اختزال المتأثّرين بسهولة في مجرّد تسميات أو فئات أو انتماءات؟ وكيف يُغفل أنّهم بشر قبل كل شيء، يدافعون عن أرضهم وكرامتهم وشرفهم؟ إنهم أناس يُقاومون كي يبقوا في منازلهم، ويسعون إلى مواصلة العيش بين أهلهم وهم يرفضون ترك بيوتهم وخوض المجهول.
أن تكون لبنانياً في الخارج هو أن تحمل في داخلك رغبة عميقة في استعادة لحظات الفرح والأمل، والمشاركة في الاحتفاء، وأن تشعر من جديد بوعد حياة أفضل تنتظرك. وهو أن تشتاق إلى فرصة للعودة، ثم تُجبر على التخلّي عنها بسبب أحداث غير متوقّعة
هو أن تتمنّى حضور القداديس العزيزة على قلبك، وأن تشارك عائلتك لحظات النعمة، وأن تتذوّق المعمول، بينما تدرك في الوقت ذاته أنك أصبحت أسير أرض ليست لك، في حين أنّ أرضك تسكنك، معلّقة بين غموض العالم وتقلّباته. فغالبًا ما يشعر المرء أنّه يعجز عن أبسط الأفعال، ويترقب بشدة فرصة جديدة للعودة إلى وطنه، لإعادة الاتصال بجذوره، واستعادة كل ما يشكّل هويته.
في مثل هذه اللحظات، يصبح من الضروري التفكير في جميع الذين يعيشون بعيداً عن لبنان، والذين يحنّون إلى العودة، ولو لمرّة واحدة، للقاء عائلاتهم التي يحبونها، والأرض التي وُهبت لهم إرثاً. فالمسافة الجغرافية، مهما اتّسعت، لا تحميهم من تأثير الحرب العميق؛ إذ تترك ندوباً نفسية واجتماعية وهوياتية دائمة. وحتى على بُعد آلاف الكيلومترات، يرافق الخوف والقلق والشعور بالعجز أولئك الذين غادروا وطنهم.