En | Ar

من الأطراف إلى المدن

 ليس الانتقال بين حَرَمٍ جامعيّ وآخر مجرّد تغيير عنوان على بطاقة الطالب. إنّه عبورٌ بين إيقاعين للحياة، بين هواءٍ تعرفه الرئتان مسبقًا وضجيجٍ يحتاج القلب وقتًا ليتعلّم التعايش معه. في جامعة القديس يوسف، يأتي كثيرٌ من الطلاب من الأحرام الموجودة في أطراف لبنان—من زحلة التي كنتُ جزءًا منها، ومن الجنوب والشمال—ثم يجدون أنفسهم فجأة في أحرامٍ جديدةٍ داخل المدن المحيطة بالعاصمة. هنا تصبح المسافة أكثر من كيلومترات: تتحوّل إلى اختبارٍ للهوية والروتين والقدرة على البدء من جديد.

في الأطراف، للحرم نبرةٌ أقرب إلى البيت. الوجوه تتعارف بسرعة، والوقت أقل قسوة، وتبدو العلاقات أكثر عفوية لأنّ الإيقاع يسمح لها أن تنمو. أمّا في الحرم الجديد، فيستقبل الطالب عالمًا جاهزًا بإيقاعٍ سريعٍ وشبكاتِ معرفةٍ سابقة، فيشعر أحيانًا أنّه «وافد» يحاول اللحاق بما فاته. يتسلّل الحنين كعائقٍ غير مرئي: لا يمنع الدراسة، لكنه يبطّئ الاندماج، ويجعل المقارنة بين «هناك» و«هنا» عادةً يومية.

على المستوى النفسي، يواجه كثيرون صدمةً صغيرة في التفاصيل: فقدان الإحساس بالألفة، وخوفًا من أن يُفهموا خطأً أو يُختصروا بمنطقتهم. وقد تتحوّل الرغبة في إثبات الذات إلى ضغطٍ إضافي، فيزداد القلق قبل الامتحانات، ويظهر الأرق أو التشتت، خصوصًا عندما تتداخل متطلبات الجامعة مع المسؤوليات العائلية أو العمل. في هذا المناخ، يصبح السؤال الأهم: كيف أحافظ على ثقتي وأنا أُعيد بناء دائرتي الاجتماعية من الصفر؟

ثم تأتي الصعوبات البيئية واللوجستية التي تفرضها المدينة كنظامٍ كامل. يصبح الطريق جزءًا من اليوم الدراسي، لا تفصيلًا على هامشه: ازدحام، ومواصلات غير مضمونة، وساعات تُستنزف قبل الوصول إلى المحاضرة. ومع الوقت، يكتشف الطالب أنّ التعب ليس من المواد وحدها، بل من عملية الوصول إليها. فالضجيج وتغيّر المشهد الحسي يتركان أثرًا على التركيز؛ والوتيرة المتسارعة توحي دومًا بأنّك متأخر، حتى حين تكون على الموعد. حتى الهواء يختلف أحيانًا: مساحاتٌ خضراء أقل، وتلوّثٌ وضوضاء يرافقانك خارج الحرم وداخله. يُضاف إلى ذلك عبء الكلفة: النقل، والطعام، وربما السكن، فتغدو الاستقلالية مزيجًا من الحرية والمسؤولية الثقيلة. 

ومع هذه الضغوطات، يحاول الطلاب صناعة مكانٍ لهم داخل الحرم الجديد بجهدٍ شخصيٍّ وصبرٍ يوميٍ. الاندماج غالبًا يبدأ من خطوةٍ صغيرةٍ يختارها الطالب بنفسه: أن يبادر إلى التعارف بعد محاضرة، أو يشارك في نشاطٍ يستهويه ليجد أشخاصًا يشبهونه، أو يتمسّك بصداقة واحدة تتحوّل تدريجيًا إلى «رفيق الطريق» يخفّف ثقل الرحلة اليومية. ولأنّ المدينة تُربك الإيقاع، يلجأ كثيرون إلى طقوسٍ بسيطة تعيد التوازن: زاوية ثابتة للدراسة، أو مكتبة مفضّلة، أو استراحة قصيرة في مكانٍ مألوف تمنح اليوم شكلًا يمكن الإمساك به. كما يساعدهم أن يضعوا لأنفسهم روتينًا واقعيًا يراعي التنقّل—بتحديد أوقاتٍ للنوم والمراجعة، وتقسيم المهام إلى مراحل صغيرة—وأن يبنوا دوائر دعم غير رسمية مثل مجموعات دراسة أو شراكات تبادل ملاحظات، بحيث لا تبقى التحديات عبئًا فرديًا. ومع الوقت، يتحوّل هذا التدرّب اليومي على تنظيم الذات والانفتاح المدروس إلى لغةٍ جديدةٍ للانتماء، فيصبح التكيّف أقل قسوة وأكثر قابلية للاستمرار.

الانتقال من الأطراف إلى المدن ليس خيانةً للمكان الأول ولا خلاصًا مضمونًا في المكان الثاني؛ إنّه مرحلةٌ تُعيد تعريف الطالب. أحرام زحلة والجنوب والشمال تمنح طمأنينة البداية، وأحرام المدن المحيطة بالعاصمة تفتح أبوابًا أوسع وتحدياتٍ تُنضج بسرعة. بينهما يمشي الطالب على جسرٍ من القلق والأمل: يتعثّر أحيانًا، لكنه يتعلّم كيف يصل، ويحمل جذوره معه وهو يبني انتماءً جديدًا.

PARTAGER