En | Ar

الموسيقى، لوعةٌ طيّبة المذاق!

صوتُ حبيبٍ بعيدٍ زارني هذا المساء، وأخذني في أحضانه كأنّه جمرة مشتعلة هبطت من الشّمس في قنديلي. هذا الخطّار العزيز مزّق قوانين الفيزياء والبيولوجيا، وأخذ من فؤادي خريطةً لأحلامه... ولكنّني، لا أريد للألحان الحرّة أن تسكن خفايا قلبي، فضيّقة هي عليها، والعفن قد ساد زواياها. أريد لهذا الصّوتِ الرّنّان أن يسرقني من نفسي، لا أن يسكنني فيموت معي. آه يا جبران، كم كان لكَ من الحكمة لتقول: الكون حلمٌ والجسد سجنٌ ضيّقٌ. وكم لي من البؤس والأسى لأقول: الحلم انقضى، وحان وقت النّزول عن عرش العظمة، ومصافحة الواقع القبيح بكلّ رضًى وخضوع. إنّ الحزنَ هو أقوى من حَكَمَ الأرض، ملكُه أزليّ، يحتلّ الخيال بجبروت عظيم. وأنتِ أيّتها الموسيقى، يا حبيبتي ومسلّيتي، ما أنتِ إلّا جرعة مؤقّتة من المورفين، أحاول بكِ الشّفاء، ولكنّني لا أستطيع... إن كنتِ حقًّا شفاءً للرّوح، فعبثًا أحاول الشّفاء ومرضي مستعص.ٍ

  من نافذة زنزانتي الضّيّقة، يناجيني صوتُ أمّي وهي ترنّم للحرّيّة، وكأنّها من رحم الأوجاع وُلِدَتْ لتفرد جناحَيها وسع المدى. لماذا جئتِني يا أمّي، لتغنّي لي قليلًا وترحلي؟ السّجن رحيم لا يكذب، أمّا صوتكِ فيسقيني من كئاس الحّريّة رشفةً، قبل أن يركل الكأس ويتركني وحيدةً دون صدًى أو همسة. يا أمّي، يا عاصمة الموسيقى، ويا أنشودة الفرح التي أضعتُ كلماتها، لو نسجتِ أوتارك على الغصن العاري، لغنّتِ الشّجرة لكانون وأشعلت في قلبه الحنّيّة... ولكن ما نفع هذا الكلام وأنتِ بعيدة؟ أتستطيع القيثارة أن تدندن الأنغام، وعازفها غائب لا عنوان له ولا أثر؟

  ورغم يقيني التّام أنّني ألجأ للموسيقى فقط للهروب من الواقع والعيش في عالمي الخاص مؤقّتًا، إلّا أنّني أتمسّك بها يومًا بعد يومٍ، وكأنّني جنديّ ذاهب إلى الحرب، وما لي سوى الموسيقى ليتجدّد فيّ الاندفاع والولاء لقضيّة لا أعرفها. هل تدفعني إلى الموت أم إلى الانتصار؟ لا أدري، لكنّها تجعلني أسير بدل أن أبقى واقفة في مكاني. والغريب أنّني لا أعرف من اللغات سوى ثلاث، ومع ذلك، فأنا بالموسيقى أفهم كلّ لغات العالم؛ أعيش فيها دور الثكلى، والعجوز، والعاشق، والخائن، وغيرها من الأدوار، لأستشعر الإنسان بكلّ أوجهه. غريبة هي، كقناع أختبئ خلفه من الحياة، لأكتشف لاحقًا أنّني بها قد عشت ألف حياة.

 أأكتب الآن عن الموسيقى أم عن نفسي؟ أم أنّنا واحد؟ لا إجابة لديّ الآن… كلّ ما أعرفه أنّها طوق نجاتي، وخدعة كبيرة أعيها جيدًا، ومع ذلك أحبّها حبًّا لا يُقاس.

PARTAGER