
لماذا تنوي اختيار الطّب؟ ألا تدرك أنّ حمله ثقيلٌ ويصعب تحمّله؟ وما نفع كلّ هذا العناء؟ آثر ما يوفّر لك مردودًا سريعًا في فترةٍ زمنيّةٍ وجيزةٍ. كثيرًا ما يُساءَلُ طالب الطّب أو كلّ من أرادَ اتّباع هذا المسار كلّ هذه الأسئلة. فهذا الطّالب الحالم والطّموح يحمل في داخله بذرةَ نجاح تنمو، غير أنّ أحكام النّاس تحيط بها كالأشواك فتعيق نموّها.
ليس اختيار الطّب قرارًا عابرًا، بل هو التزامٌ طويل الأمد، يختبر الانسان قدرته على الصّبر والتّحمّل قبل قدرته على الحفظ والفهم. ﺇضافةً إلى ذلك، فـﺈنّ طالب الطّب عليه من دون شكّ تقديم كلّ جهوده، وصبره وانضباطه في خدمة المجتمع، متناسيًا في أغلب الأحيان اﻹعتناء بنفسه أوّلًا.
من ناحيةٍ أخرى، يعيش كثيرٌ من طلاب الطّب حالةً من القلق تجاه مستقبلهم المهني، إذ تُوجَّه ﺇليهم تساؤلاتٌ متكرّرةٌ تشكّك في جدوى اختيارهم، وتُصوّر المستقبل الطّبي على أنّه وعدٌ فارغٌ في ظلّ التّطوّر التّكنولوجيّ المتسارع. ويذهب بعضهم ﺇلى الادّعاء بأنّ التّقدّم في مجال التّقنيّات الجراحيّة المتطوّرة قد يجعل دور الطّبيب البشري محدودًا أو قابلًا لـلاستبدال.
غير أنّ هذا الطّرح يغفل حقيقةً جوهريّةً، وهي أنّ هذه التّقنيّات ليست كيانًا مستقلًّا، بل أدوات طُوّرت على أيدي أصحاب الاختصاص، وتبقى بحاجةٍ ﺇلى العقل البشري لتوجيهها. كما أنّ الثّقة الكاملة لا يمكن أن تُمنَحَ لآلةٍ تفتقر اﻹدراك اﻹنساني، ولا تملك المشاعر، ولا تستطيع فهم المريض بصفته إنسان قبل أن يكون حالةً طبيّةً. فالطّبيب لا يداوي الجسد بالمعرفة العلميّة وحدها، بل يخفّف الألم بالكلمة، ويمنح الطّمأنينة بالحضور، ويؤثّر في المجتمع بـواسطة إنسانيته قبل مهارته.
ﺇذًا، الحقيقة أنّ الطّب طريقٌ لم يُرسم للجميع؛ فالخالق زوّد خَلْقَه بمواهبٍ وعطايا تحاكي مقدرة كلّ فردٍ وامكاناته. لذا، بما أنّك لا تستطيع التّوقف عن التّفكير بهذا الحلم، الّذي هو أنبل المهن وأسماها، فقدّر العليّ أن يكون من نصيبك وأعدّ لك هذا التّحدّي كي تكتشف أبعاد قدراتك المخفيّة.
من هنا، ﺇلى كلّ من أراد أن يسير في طريق الطّب بـﺈيمانٍ راسخٍ أقول:
كلّ مرّةٍ أردت أن تلتحق بطريقٍ ما، ستداهمك أصواتٌ كثيرةٌ، ليس لأنّها تعلم ما الأنسب لك، بل لأنّ هذا الطّريق أخافها. فالحقيقة هي أنّ أكبر عدوّ لنجاحك هو أنّ تحمل في قلبك خوفًا ليس لك.