En | Ar

الشطرنج: معركة العقول

على رقعةٍ لا تتجاوز 64 مربعًا، تُخاض أعظم المعارك التي عرفتها الإنسانية. معركةٌ لا صدى فيها لصراخ، ولا بريق فيها لسيوف، لكن صمتها يعلو على كل ضجيج...

ها هي مملكة الشطرنج، وليست لعبةً لوحيةً بسيطةً مثل الثعابين والسلالم، حيث يصبح مصير اللاعب رهينًا برمية نرد، بل رياضةٌ ذهنية تتطلب تركيزًا حادًا وتخطيطًا استراتيجيًّا. فتشكّل كل خطوة فيها قرارًا يستنزف طاقة اللاعب كما يستنزف المضمار جسد العداء، فينهك المنتصر جسدًا وروحًا، في سباقٍ لا يسمع فيه إلا أفكاره.

يحظى الشطرنج باعتراف اللجنة الأولمبية الدولية، ويُعد رياضةً عقلية تتبع المعايير العالمية عينها التي تتبعها الرياضات البدنية. فمن بطولاتها العالمية وتصنيفاتها المعتمدة، إلى فحوص المنشطات الصارمة وحكامها المتخصصين، تشق النخبة طريقها نحو التتويج بلقب "أستاذ دولي كبير". وكشفت الدراسات أنّ اللاعب المحترف قد يحرق إلى 6000 سعرة حرارية خلال المباراة الواحدة، نتيجة الإرهاق الذهني والتوتر والتفكير المكثف، وهو رقمٌ يوازي ما يفقده الرياضيون في أشرس المنافسات البدنية. فالجلسة الهادئة بين اللاعبين تخفي وراءها عاصفة من التركيز والتحمل النفسي، وحوارًا صامتًا تتصادم فيه الإرادات، وتتشابك الاستراتيجيات في سباق محموم يستهلك من طاقة العقل ما يفوق كل التوقعات.

وُلدت هذه الرياضة في الهند القديمة باسم "شاتورانغا" كأداة لتدريب القادة على التكتيك الحربي، ثم انتقلت إلى بلاد فارس والعالم العربي حيث اكتسبت اسم "الشطرنج" وتطوّرت قواعدها. وواصلت رحلتها شرقًا إلى الصين وآسيا وغربًا إلى أوروبا حيث اكتملت قواعدها الحديثة. وعبر هذه الرحلة الحضارية، تحوّل الشطرنج إلى استعارةٍ للحياة، ووصف الدبلوماسيون من خلالها صراعات السلطة.

في القرن العشرين، تجسّدت معالم الحرب الباردة على رقعة الشطرنج. فلاحظ الاتحاد السوفييتي أهمية هذه اللعبة وقوتها، وجعلها مشروعًا ثقافيًا لصياغة العقول وإثبات التفوّق الفكري. وأقام مدارس متخصصة، وبرز على يديه أبطال مثل بوتفنيك وكاربوف وكاسباروف، الذين حملوا رسالة تفوّق النظام السوفييتي في أذهان العالم.

وفي عام 1972، انقلبت المعادلة عندما برز الأميركيّ بوبي فيشر بعبقريّته المتمرّدة، محطمًا احتكار "الآلة السوفييتية" في مباراة ريكيافيك التي تحوّلت إلى صراع رمزي بين نمطين من التفكير: الفردية الغربية في مواجهة العقل الجماعي المنظَّم.

ولم تتوقف الصدمات عند هذا الحد، ففي عام 1997 تلقّى العقل البشري هزة وجودية عندما هُزم كاسباروف أمام حاسوب "ديب بلو"، في نبوءة مبكرة بعصرٍ تزاحم فيه الآلاتُ الإنسانَ على عرش التفكير.

 

 

أما في لبنان، فقد دخل الشطرنج العقول والمقاهي مبكرًا، وتأسس الاتحاد اللبناني الرسمي عام 1947، ليرسخ حضورًا رياضيًا شارك من خلاله في الأولمبيادات العالمية وبرزت أسماء لامعة محليًا وعربيًا. وتستمر هذه الروح اليوم بلا انقطاع، ففي عام 2025، اكتسب المشهد نفسًا جديدًا مع إقامة البطولة اللبنانية الخمسين للشطرنج الكلاسيكي في الدكوانة، حيث التحمت خبرة الأجيال السابقة بحماس الشباب على رقعة واحدة.

لكن المنعطف الأبرز جاء مع جائحة كورونا، فمع العزلة الطويلة، انتقلت اللعبة إلى المنصّات الإلكترونية ووجد فيها الشباب متنفسًا ذهنيًا وتحديًا يوميًا، وانتشرت اللعبة بسرعة هائلة لدرجة أنّها دفعت بعض الجامعات إلى حظرها خشية التشتيت. وكانت هذه الظاهرة دليلًا على تحول الهواية القديمة إلى موضة شبابية تجمع بين المنافسة والتفاعل الاجتماعي.

في الختام، يمنح الشطرنج لبنان ما يفتقده في يومياته: التفكير الهادئ، والقدرة على التخطيط، والبحث عن حلّ قبل أن يقع المأزق. ويشكّل الشطرنج درسًا في الحياة: ليست كلّ قطعة تُؤخذ خسارة، ولا كلّ تقدّمٍ انتصارًا. وفي بلد اعتاد القفز فوق النتائج، ربّما نحتاج إلى النظر إلى اللوحة بأكملها قبل تحريك الجندي الأول.

PARTAGER