رحل اليوم الصوت الذي لم يُغنِّ فقط… بل فكّر، وصرخ، واحتجّ، وضحك، وبكى بصوتنا جميعًا.
رحل اليوم زياد الرّحباني،الفنان،المبدع،العازف،الموسيقار، المُلحّن،المسرحي،الفكرة،الموقف،الحضور،الناقد الساخر،النابغة، العبقري، صوت الأحرار والحقّ، صوت الفقراء والمهمشين،المقاوم ،المناضل،الثائر..ليس كفنان عابر، بل كحالةٍ وطنية، وجدانية، فكرية، موسيقية، سياسية، واجتماعية لا تُنسى ولن تتكرّر.
رحل من كان لحنًا لكل وجع، ونكتةً في قلب النار، وبيانو يتكلّم لغة الناس العاديين. رحل الذي ترجم أحزاننا إلى موسيقى، وغضبنا إلى مسرح، وكرامتنا إلى مواقف لا تُشترى، رحل من شتم الطائفية بنكتة. رحل من صنع مراهقتي، ومن صنع أجيالاً بأكملها بموسيقاه وفنه وفكره.
في 26 تموز 2025 خَفُتَ الصوت، رحل زياد بهدوء، وسقطَ الخبرُ علينا مثل الصاعقة، “ما استوعبنا”، “ما صدّقنا” … “ما عرفنا شو لازم نقول”.
لكن في يوم الإثنين 28 تموز 2025، لم يكن الصّمتُ ممكنًا، بيروت قالت كل شيء.. بصوت الناس، بدمعتهم، بلافتاتهم، بصوره التي ملأت كل مكان. لم يكن يومًا عاديًا في بيروت، عجّت الشوارع، وضجّت الأزقّة بألوفٍ من الناس، لا بزحمة السير، بل بزحمة الحزن، والوداع المؤثر، وتحوّلت المدينة إلى نشيدِ وداعٍ أخير كأنَّ بيروت كانت تودّع ابنها، الذي أحبّها وهي منهارة، وغنّاها وهي تحترق، ولم يخُنها يومًا.
وقفَ الناس في الشوارع لا يرفعون صور زياد فقط، بل يرفعون وجوههم، وورودهم، أعينهم دامعة، حناجرهم تختنق بأغانيه وموسيقاه، وكلُّ أحدٍ فيهم يُخبّئ في ذاكرته مشهدًا، جملةً، عبارةً، نكتةً، لحنًا، مقطعًا قاله زياد يومًا وغرسه في القلب إلى الأبد.
وبيروت التي كانت بالنسبة له لحناً خالداً، تحوّلت فجأة إلى مسرحٍ من دون ممثل.كلُّ مقهى مرّ به، كلُّ زاويةٍ مشى فيها، كلُّ شباكٍ ناداه صباحًا بصوت فيروز،بكى غيابه كما تبكي أمٌّ ابنها الوحيد. كان وداع الحالة، وداع الضمير، وداع من لم يسكت، وداع آخر من عزف الحقيقة على مفاتيح البيانو. أمّا جارة القمر، سيدة الحنين الدافئ، فيروز، صمتت وصبرت، فصبرُ الكبار صلاة.
ماذا فعلتَ بنا يا زياد؟ ماذا فعلت بالوطن العربي كلّهِ ؟ بالعالم بأكملهِ ؟
يومياتنا زياد.. صباحاتنا زياد، قهوتنا زياد، عهدير البوسطة بلا ولا شي وميس الرّيم، كيف نتكلم، كيف نمزح، بكلماتك ونكاتك، التي انحفرت في قلوبنا. كل اغنية وموسيقى تحمل قصّة مؤثرة، أبكيتنا وأضحكتنا طوال هذه السنوات.. أنت فِكر والفكر لا يموت، فكر إنسانيّ، وطنيّ، اجتماعيّ، سياسيّ، وجدانيّ ثائر بقالب فنيّ موسيقيّ أو غنائيّ أو مسرحيّ.. حتى حواراتك لم تخلُ من ومضاتِ وشرقطاتِ إنسانيّ، وطنيّ نابض عنفواناً وعدالة. زياد هو ذاك الصباح الذي يختلط فيه صوت فيروز برشفة القهوة، ونظرة الشباك، وسؤال : شو بعد بدو هالبلد؟
ولد في 1 كانون الثاني 1956 ابنًا للأيقونة شجرة الأرز العظيمة فيروز، وابنًا للملحّن والقائد الموسيقي والمسرحي عاصي الرحباني، لكنه اختار أن يكون ابنًا للشعب..للفقراء، للمُهمشين، للمقهورين، للمقهى والشارع والرصيف، للبنان الحقيقي.عرفناه زياد الثائر في بداياته، كان ثورة الحق والعدل والمساواة، رفض تلميع الواقع، رفض أن يُجمّل الكذبة، كتب الحياة كما هي، كما تُؤلم. فلحْنُهُ لا يُشبه أحدًا، لأنه لا يريد أن يُرضي أحدًا. ولحنه حرٌّ، عارٍ من المجاملات، حتى موسيقاه العميقة فيها “سخرية”، فيها “نكتة حزينة”، وفيها نَفَسٌ مقاوم لا يستجدي التصفيق. وصوته حين يغنّي لا يسعى لأن يكون جميلًا…بل صادقًا، نازفًا، ناقمًا، هادئًا كهدوء من فقد الأمل ولم يتوقّف عن الحُلم. فأسّس عبر مسرحه وموسيقاه ومقالاته، مدرسةً فكريةً ينبغي أن تُدرَّس.
كيفك انت؟ شو هالأيام لي وصلنالا؟ وبالنسبة لبكرا شو؟ لقد رحلت بدون جواب..
شكّلت الفكاهة مكونا رئيسياً في شخصيته، كان يقول لنا الحقيقة بضحكة، وينقل لنا رسائل اجتماعية وسياسية، وبالضحكة يغرز فينا سكّين الوعي. فاسمه مرادف للتّغيير، ومسرحه كان ناقداً ساخراً.
في مسرحيات "سهرية" و“فيلم أميركي طويل” و“نزل السرور” و“بالنسبة لبكرا شو؟”، كان زياد يعرّي كل شيء: السلطة، الطائفية، الاقتصاد، الدين، الزَّيف…حتى نحن، عرّانا من خداعنا لأنفسنا.."قوم فوت نام وصير حلام انو بلدنا صارت بلد".." نحن منحكي كتير، بس ما منعمل شي".. إنها السخرية المحرّضة الثائرة.
هذا الفنان الحُرّ هو النبض الذي يشبهنا، ونحن كنّا نتمنى أن نشبهه، في لغته، بألحانه، بنغماته، عزفه، في جلسته خلف البيانو، في انحيازه الدائم للناس. لم يعش في برج عاجي، بل في مقهى، مع جريدة مطوية، وكوب قهوة سوداء، وأحاديث عن الغلاء والموت والفساد، والفقر والعدل والمساواة والحرّية، والمقاومة، والنضال، وبناء دولة مستقلة علمانية بعيدة عن الطائفية. كان الصوت الصادح بالحقّ والحقيقة..وتكفّل بقول كل شيء. هو لم يمت، نحن مَن خسرنا، ونعرف أننا لن نجد شيئًا يُشبهه لا صوتًا، لا فكراً، لا موقفًا، لا أغنيةً، لا نكتةً، لا لحنًا.. ولا وجعًا يوازي وجعه حين يقول:"أنا مش كافر… بس الجوع كافر”.
حين نسأل اليوم: بالنسبة لبكرا شو؟
كنت تعرف يا زياد أنّ البلاد ستصير “نزل السرور” بلا سرور، وأنّ “فيلم أميركي طويل” سيتكرّر علينا بحلقات أطول وأبشع. فتركت لنا سخريةً على هيئة موسيقى، ونقدًا على هيئة نكتة ومسرحاً، وحقيقةً على هيئة ألم قابل للتلحين.
قلتَ: “أنا مش كافر”، لكنّ الجوع والفقر والمرض كفَرَة، فحملت ألَم الجِياع والفقراء والمساكين والمرضى في رحلة البحث عن العدالة والحياة الكريمة. كنت تضع الإصبع على جرح الوطن، وتبتسم، تبتسم لأنك لا تملك سلاحًا، إلا البيانو، والمسرح، والنقد المُرّ الحُرّ البنّاء.
لم يكن فنّك مرآةً تعكس الواقع فقط ولكنه كان مقاوماً يحرّضُ ويأملُ تغيير وتحسين الواقع، لذا أحَبَّكَ الأحرار… والثائرون…والمكسورون… والحالمون… والبسطاء الذين لم يفهموا السياسة، لكن فهموا معنى الوجع.
أنتَ مقيم، دائم، خالد فينا. أنت في كلّ قلب فيه وجع، وفي كلّ شارع فيه مظلوم، وفي كل بيت فيه فيروز والبيانو والقهوة. زياد، “عندي ثقة فيك” إنك مش رح تغيب، عندي ثقة فيك…أنك ستظلّ موجودًا… في الصباحات المُبلّلة بالأمل، في الشوارع المقطوعة، في دفاتر العشّاق، في نغمةٍ حنونة، وفي في كل بيت..
سلامٌ عليك يا ابن أرزةٍ غنّت، وعاصفةٍ لحّنت، يا صوت كل من قال: “ما خلّونا نعيش”. زياد، أنت لستَ أغنية…أنت الوطن الذي كنا نبحث عنه بدون أن نعلم.
واليوم تركتنا، صرنا عايشين وحدنا بلاك ..الحالة تعبانة يا ليلى، وشو هالأيام من دونك؟
بما إنو غبت، صرنا نقول لحالنا أنا مش كافر، بس موجوع، كل شي صار بلا ولا شي، والمسرح ناطر حدا يقول دورها دور. عهدير البوسطة بتضَلّ الذاكرة ماشية،وإنت باقي..حتى لو ما تلفن عياش.
وأخيرًا، شكرًا زياد..
شكرًا على كلّ ما قدّمته لنا، على كلّ ما فعلته لأجلنا… لأجل الوطن. شكرًا على الذكريات الجميلة التي علّقتها في الذاكرة كأغنية لا تنتهي. شكرًا على ألحانك…نغماتك… موسيقاك… صوتك…شكرًا على الضحكات، تلك التي كانت تسكن فينا وجعًا، وتُخرج منّا مقاومة. وباللّبناني بقلّك، بوعدك يا زياد؛ بوعدك احمل فكرك، بوعدك انقل رسائلك، بوعدك كمّل فلسفتك، دون تلميع، من دون خوف، نكمّل نضحك بسخرية… ونقهرهم بالوعي، نكمّل نفضحهم، نعرّيهم. وعدي إلك، نخلّي موسيقاك تعيش، ومسرحك ينوّر، وتفاصيلك الصغيرة تضل معنا… بالقهوة، بالشارع، بالنكتة، بالشباك، بالسيارة، بالمسرح، بأغانينا.. يمكن ما في شي بيتغيّر بسرعة، بس لعلّ وعسى.. يصير عنا دولة، دولة متل ما حلمت، فيها عدل، مساواة، كرامة، صوت، فن، حرية، وإنسان. دولة ما تعتذر وما تخاف من الحقيقة، ولا تخاف من اللحن، ولا تقمع الحكي الصادق. زياد هيدا مش وداع، هيدا وعد. نكمّل الحكي، نكمّل اللحن، نكمّل المقاومة… ولو ببيانو. بوعدك، على قد ما فيي، نكمّل المشروع اللي بلّشت فيه…لأنك مش بس فنان… أنت مشروع وطن، وأكيد ما خلص، ولا رح يخلص.
كان حلمي دائماً إنّي التقيك، احكي معك، وقابلك، كنت محضرتلك أسئلة كتير.. بالرغم انك كنت صباحاتي وقهوتي كل يوم..بس الآن، بقلّك إلى لقاء أجمل..وأصدق..بمكان يمكن يكون متل ما كنت تحلم. مكان فيه وطن..وطن اسمه “لبنان”،بس لبنان الحقيقي.. الأصلي..اللي بدّك ياه. وبوعدك إنّك ما رح تغيب.
رحمك الله ولترقد بسلام.
تحيّة لك أيها الّلسان الصّادق والضّمير الحيّ والفكر الحُرّ.
وداعاً عملاق الموسيقى.
بحبّك بلا ولا شي.