En | Ar

حين كان الإبداع يرمّم فكرة الوطن

ليست الأوطان دائمًا ما نراه من حجارةٍ وحدودٍ وأعلام، بل كثيرًا ما تكون ما لا يُرى: صورةً خفيّةً تسكن الذاكرة، وإيمانًا داخليًّا يجعل الإنسان يتمسّك بأرضه رغم الخراب. فالوطن، قبل أن يكون ترابًا، هو معنى. وإذا انهار المعنى، لم تعد الجدران قادرةً على حمل اسمه. من هنا نفهم أنّ بناء البلدان لا يتمّ بالسياسة وحدها، لأنّ السياسة تدير الواقع، أمّا الفنّ فيصنع الروح التي تمنح هذا الواقع قابليّة الحياة. ولبنان كان، في لحظات ضعفه كما في لحظات ازدهاره، شاهدًا حيًّا على هذه الحقيقة؛ إذ لم يكن الفنّ فيه زينةً حضاريّة، بل كان الرافعة الخفيّة التي حفظت للبلد صورته حين كانت الأحداث تسعى إلى تمزيقها.

حين كتب جبران خليل جبران، لم يكن يقدّم أدبًا للتأمّل الجماليّ فحسب، بل كان يعيد تعريف الإنسان اللبنانيّ في علاقته بذاته وبالوجود. لقد علّمه أنّ الحرّيّة ليست شعارًا سياسيًّا عابرًا، بل شرط الكرامة الأولى، وأنّ الروح القادرة على الحلم أقدر على مقاومة الانكسار. لذلك لم يكن أثر جبران محصورًا في المكتبات، بل امتدّ إلى تشكيل حساسيّة فكريّة جعلت اللبنانيّ يرى نفسه ابن رسالة ولا ابن أزمة. وكذلك فعل ميخائيل نعيمة، الذي غاص في أعماق النفس الإنسانيّة باحثًا عن الضمير المفقود، وكأنّه كان يقول إنّ المجتمعات التي تفقد بعدها الأخلاقيّ لا تستطيع أن تبني حضارةً مهما امتلكت من مؤسّسات. وهكذا أصبح الأدب عندهما نوعًا من الهندسة الخفيّة للوعي، يشيّد الإنسان من الداخل كي يستطيع أن يشيّد وطنه من الخارج.

ثم جاء الفنّ الرحبانيّ ليقوم بما هو أخطر من الغناء وأعمق من المسرح: لقد اخترع للبنانيّين صورةً مثاليّةً عن أنفسهم. ففي أعمال الأخوين الرحباني وبفضل صوت فيروز لم يكن لبنان مجرّد مكان، بل تحوّل إلى حالةً شعوريّة: قريةً نقيّة، وجرسًا يوقظ الصباح، وحقلاً يتّسع للجميع. قد يُقال إنّه كان حُلمًا، نعم، لكنّ الأمم لا تعيش بالوقائع وحدها، بل بالأحلام التي تمنح الوقائع معنًى. لقد منح الرحابنة اللبنانيَّ وطنًا يسكنه وجدانيًّا حتى عندما كان عاجزًا عن السكن فيه سياسيًّا، ولذلك كان فنّهم مقاومةً صامتةً للتشظّي، لأنّه أبقى صورة الوحدة حيّةً في الخيال الجماعيّ.

وحين أطلّ زياد الرحباني، انتقل الفنّ من بناء الحلم إلى تشريح الجرح. لم يقدّم وطنًا كما ينبغي أن يكون، بل كشفه كما صار: متعبًا، ومتناقضًا، وغارقًا في العبث. غير أنّ هذا الكشف لم يكن هدمًا، بل كان محاولةً لإنقاذ الوعي من التزييف؛ لأنّ الاعتراف بالعطب هو أوّل شروط الإصلاح. لقد جعل اللبنانيّ يضحك من مأساته، لكنّه ضحكٌ يشبه البكاء المؤجَّل، وفي هذا تكمن عبقريّة الفنّ حين يتحوّل إلى ضميرٍ ناقدٍ يرفض أن يعتاد الخراب.

في ضوء كلّ ذلك، لم يكن أولئك الفنّانون مجرّد أسماء لامعة في سجلّ الثقافة، بل كانوا صانعي معنى وحراسًا لذاكرة جماعيّة تمنع الوطن من السقوط النهائيّ. ومع انحسار هذا الفنّ الرساليّ، بدا لبنان كأنّه فقد إحدى آخر قواه الداخليّة. فالمشكلة اليوم ليست فقط في الانهيار الاقتصاديّ أو الفساد السياسيّ، بل في هذا الفراغ الروحيّ الهائل: لم يعد ثمّة من يصوغ للبنانيّين حلمًا مشتركًا، ولا من يزرع فيهم قلق السؤال، ولا من يذكّرهم بأنّ الوطن يستحقّ أكثر من مجرّد النجاة.

وهنا يصبح السؤال أشبه باعترافٍ موجع: إذا كان الفنّ يومًا قد أنقذ فكرة لبنان من الموت، فمن ينقذها اليوم؟ أين هو الإبداع الذي لا يلهي الناس عن أنقاضهم، بل يدفعهم إلى تجاوزها؟ وأين هو الفنّ الذي لا يكتفي بوصف سقوط البلد، بل يجرؤ على إعادة اختراع معناه؟

PARTAGER