En | Ar

هنا لبنان: بين نار الحرب وأمل الصمود

منذ اندلاع الحرب في شهر تشرين الأول من عام 2023، دخل لبنان مرحلةً قاسيةً من تاريخه الحديث، حيث تحوّلت القرى الحدودية إلى ساحات مواجهة مفتوحة، وعاش اللبنانيون تحت وطأة القلق والخوف اليومي. لم تكن تلك الحرب مجرد جولاتٍ عسكريةٍ عابرة، بل حملت معها معاناةً إنسانيةً عميقة، تمثّلت في نزوح آلاف العائلات، وتدمير المنازل، وتعطيل سبل العيش. واستمر هذا الواقع حتى آواخر شهر تشرين الثاني من عام 2024، حين وضعت الحرب أوزارها بعد شهورٍ طويلةٍ من الألم والخسائر، تاركةً خلفها ندوبًا لم تندمل بسهولة.

ومع بداية شهر شباط من عام 2025، بدأت مرحلةٌ جديدة تمثّلت بعودة النازحين إلى قراهم، رغم الدمار الكبير الذي لحق بها. كانت تلك العودة مشهدًا خلط ما بين الفرح والحزن؛ فرحُ الرجوع إلى الأرض، وحزنٌ على ما تغيّر فيها. كثيرون عادوا ليجدوا بيوتهم مهدّمةً أو متضرّرة، لكنهم تمسّكوا بما تبقّى، وبدأوا بإعادة ترتيب حياتهم خطوةً بخطوة. ومع مرور الوقت، حاول لبنان أن يستعيد شيئًا من استقراره، فعادت الحياة تدريجيًا إلى بعض المناطق، وفتحت المدارس أبوابها، وعاد الناس إلى أعمالهم، ولو بقدراتٍ محدودة، في محاولةٍ واضحةٍ للتمسّك بالحياة على الرغم من المصاعب.

لكن هذا الاستقرار لم يكن كاملًا، إذ بقيت الاعتداءات اليومية تُلقي بظلالها الثقيلة على البلاد. فمن إخلاء منازل في الجنوب أو في بيروت بحججٍ أمنية وقصفها، إلى التعديات المتكررة على القرى الحدودية بشكلٍ شبه يومي، ظلّ القلق قائمًا، وكأن الحرب لم تنتهِ فعلًا. يعيش الناس على وقع أخبارٍ متلاحقة، بين تصعيدٍ وتهدئة، من دون وضوحٍ في المسار أو ضماناتٍ حقيقيةٍ للاستقرار.

وفي فجر الثاني من آذار 2026، عاد المشهد ليتصاعد بشكلٍ مفاجئ، مع جولةٍ جديدةٍ من المواجهات أعادت إلى الأذهان بدايات الحرب الأولى. استيقظ اللبنانيون على أصوات القصف والتوتر، في لحظةٍ بدت وكأنها تعيد البلاد خطواتٍ إلى الوراء. هذه الجولة الجديدة، التي جاءت في ظل هشاشة الاستقرار السابق، زادت من حالة القلق العام، وأكّدت أن ما سُمّي بالهدوء لم يكن سوى مرحلةٍ مؤقتة. ومع تصاعد هذه التوترات، وصل لبنان مجددًا إلى واقع حربٍ مفتوحةٍ لا أفق واضحًا لها حتى اللحظة، ما يعيد البلاد إلى دائرة الخطر المستمر، ويزيد من حالة الترقّب والقلق لدى المواطنين.

ورغم كل ذلك، برزت صورةٌ مضيئةٌ من التضامن اللبناني. فقد احتضن أبناء المناطق الجبلية والشمالية إخوانهم من الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، كما استقبلت مناطق زحلة وأطرافها العديد من العائلات القادمة من بعلبك والبقاع. لم يكن هذا الاحتضان مجرد استضافة، بل كان مشاركةً حقيقيةً في تفاصيل الحياة اليومية، من تقاسم المنازل إلى تقديم المساعدة والدعم المعنوي. هذا التكاتف أعاد التأكيد على أن الروابط الإنسانية والوطنية ما زالت أقوى من كل الأزمات، وأنّ اللبنانيين قادرون على الوقوف إلى جانب بعضهم في أحلك الظروف، مهما اشتدّت الأزمات. ومع تجدّد المواجهات، عادت هذه المبادرات الإنسانية لتتكرر، في مشهدٍ يعكس عمق التماسك الاجتماعي رغم كل الانقسامات.

إلا أن التحدي اليوم لم يعد أمنيًا وحسب، بل اقتصاديًا أيضًا. فالأزمة المعيشية تتفاقم بشكلٍ غير مسبوق، مع الارتفاع الكبير في أسعار المحروقات والسلع الأساسية، إضافةً إلى تضخم الإيجارات، خاصةً في المناطق التي شهدت نزوحًا كثيفًا. هذا الواقع جعل تأمين أبسط مقومات الحياة أمرًا صعبًا على شريحةٍ واسعةٍ من المواطنين، وفرض ضغوطًا إضافيةً على العائلات التي تحاول التكيّف مع الظروف غير الطبيعية. وبين همّ الأمان وهمّ العيش، يجد اللبناني نفسه في مواجهةٍ يوميةٍ مع تحدياتٍ تتزايد ولا تنحسر، خصوصًا مع كل جولة تصعيدٍ جديدةٍ تزيد من الأعباء الاقتصادية والمعيشية، وتثقل كاهل الناس أكثر فأكثر.

في الخاتمة، يبقى الأمل هو السلاح الأخير الذي يتمسك به اللبنانيون؛ أملٌ بأن تنتهي هذه الدوامة المروعة، وأن يعود الوطن إلى طريق التعافي الحقيقي، بعيدًا عن الحروب والتوترات. والتمنّي الصادق هو ألا يأتي يومٌ يُدفع فيه الإنسان لقتال أخيه من أجل البقاء، فيعود شبح الحرب الأهلية من جديد كما عاشها أهلنا. فلبنان، رغم كل جراحه، لا يزال قادرًا على النهوض… إذا حُفظت إنسانيته ووحدته، وبقيت إرادة الحياة أقوى من كل ما يهدده.

PARTAGER