
تُعَدّ المونةُ الجنوبيّةُ اللبنانيّةُ إحدى أكثرِ التّعبيراتِ أصالةً عن التّراثِ الغذائيّ الجنوبيّ واللبنانيّ عمومًا. فهي لا تقتصرُ على كونِها مجموعةَ مؤنٍ منزليّةٍ مُحضَّرةٍ ومُحفَّظةٍ، بل تمثّلُ أسلوبَ حياةٍ متوارثًا ارتبطَ بالجنوبِ وأرضِه ومواسمِه. وقد شكّلتْ المونةُ عبرَ الأجيالِ وسيلةً لتخفيفِ الحاجةِ إلى التسوّق خلالَ فصلِ الشّتاء، وضمانًا لاستمراريّةِ الغذاءِ في البيوتِ الجنوبيّة. ومنذُ العصورِ القديمةِ، طوَّرتِ العائلاتُ هذهِ المهارةَ انطلاقًا من علاقتِها المباشرةِ بالأرضِ، فكانتِ المونةُ تعبيرًا حيًّا عن ثقافةِ الاكتفاءِ والاعتمادِ على خيراتِ المواسمِ.
انطلاقًا من هذا الإرث، تقومُ المونةُ الجنوبيّةُ على معرفةٍ دقيقةٍ بالمقاديرِ وبتوقيتِ استخدامها، وهي معرفةٌ تراكمتْ في الذاكرةِ الجنوبيّةِ وانتقلتْ من جيلٍ إلى جيل. فاختيارُ الأعشابِ، وتنسيقُ التّوابلِ، وضبطُ كميّاتِ الزّيوتِ والحبوبِ، كلُّها عناصرُ تخضعُ لخبرةٍ متوارثةٍ لا تُكتَبُ في كتبٍ، بل تُحفَظُ في البيوتِ وتُمارَسُ يوميًّا. وهكذا، تحوّلتِ المونةُ إلى جزءٍ من الهويّةِ الجنوبيّةِ، تحملُ نكهةَ المكانِ وتُجسّدُ أسلوبَ العيشِ القائمِ على البساطةِ والانسجامِ مع الطّبيعةِ.
ومع تعاقبِ الفصول، يبدأُ الرّبيعُ كمرحلةٍ أساسيّةٍ في دورةِ المونةِ الجنوبيّةِ، حيثُ تنطلقُ العائلاتُ لجمعِ الأعشابِ العِطريّةِ والنّباتاتِ التي تشكّلُ قاعدةً أساسيّةً في المطبخِ الجنوبيّ. يُقطَفُ الزّعترُ وإكليلُ الجبلِ والشّومرُ وغيرها، وتُجفَّفُ بعنايةٍ في الشّمسِ أو في أماكنَ جيّدةِ التّهويةِ، في طقسٍ يعكسُ ارتباطَ الإنسانِ الجنوبيّ بمواسمِ أرضِه. وفي هذا الإطارِ أيضًا، تُحضَّرُ منتجاتُ الألبانِ كجزءٍ من تقاليدِ الرّبيعِ، وتُخزَّنُ بطرائقَ تقليديّةٍ لترافقَ البيوتَ في الأشهرِ المقبلةِ.
تتكثّفُ أعمالُ المونةِ وتبلغُ ذروتَها مع حلول الصيف، إذ تمتلئُ الحقولُ بالخضرواتِ النّاضجةِ، وتتحوّلُ البيوتُ الجنوبيّةُ إلى ورشِ عملٍ جماعيّةٍ. في هذا الفصلِ تُحضَّرُ المخلّلاتُ بأنواعِها، ويبرزُ المكدوسُ كأحدِ أكثرِ رموزِ المونةِ الجنوبيّةِ حضورًا على المائدة. كما تُجفَّفُ الفواكهُ أو تُحوَّلُ إلى مربّياتٍ ودبسٍ، في تعبيرٍ واضحٍ عن فلسفةِ الجنوبِ القائمةِ على حفظِ الموسمِ داخلِ البرطمانِ لاستخدامِه لاحقًا.
وفي سياقِ التنوّعِ المناطقيّ داخلَ الجنوب، تتميّزُ بنتُ جبيلَ بمونةٍ غنيّةٍ ومتعدّدةِ الأصناف، تشملُ السّماقَ والمخلّلاتِ والمربّياتِ وتجهيزَ الحبوبِ. كما تشكّلُ تحويجةُ الكُبّةِ أحدَ أبرزِ معالمِ هذا التّراثِ، إذ تُحضَّرُ من خليطٍ دقيقٍ من الأعشابِ والبهاراتِ، في ممارسةٍ تعكسُ خصوصيّةَ المطبخِ الجنوبيّ وارتباطَه بالذّائقةِ المحليّةِ. وتبقى هذهِ التحضيراتُ شاهدًا على دورِ المرأةِ الجنوبيّةِ في حفظِ التّراثِ الغذائيّ وصونِ تفاصيلِه.
عند انتقالنا إلى قرًى جنوبيّةٍ أخرى، نلاحظُ أنّ المونةَ تأخذُ طابعًا متقاربًا مع اختلافاتٍ تعكسُ طبيعةَ كلّ بلدة. ففي بيتِ ليفَ يبرزُ الزّيتونُ والزّعترُ وزيتُ الزّيتونِ، بينما في عيترونَ وكفرا تتكاملُ الأعشابُ والمخلّلاتُ مع تحضيرِ الحبوبِ كالقمحِ والبرغلِ والفريكِ. وتشكّلُ هذهِ العناصرُ أساسًا للوجباتِ اليوميّةِ، ما يؤكّدُ أنّ المونةَ ليست مجرّدَ تخزينٍ، بل نظامَ عيشٍ متكاملٍ.
ومع قدومِ الخريف، يدخلُ الجنوبُ موسمَ الزّيتونِ، وهو من أكثرِ المواسمِ ارتباطًا بالهويّةِ الجنوبيّةِ. تُقطَفُ الثّمارُ وتُعصَرُ لإنتاجِ زيتِ الزّيتونِ أو تُحفَظُ بطرائقَ تقليديّةٍ، ويُخزَّنُ الزّيتُ ليكونَ ركيزةً أساسيّةً في المونةِ وفي الأطباقِ الشّتويّةِ. ويُعرفُ زيتُ الجنوبِ، ولا سيّما في بيتِ ليفَ، بجودتِه وطعمِه، ما يجعلهُ رمزًا من رموزِ المونةِ الجنوبيّةِ.
أخيرًا يأتي الشّتاءُ ليُظهِرَ الدورَ الحقيقيَّ للمونةِ في الحياةِ الجنوبيّةِ: تُفتحُ البرطماناتُ وتُستحضَرُ نكهاتُ الصّيفِ والخريفِ في الوجباتِ اليوميّةِ، وتتحوّلُ المونةُ إلى جزءٍ من الروتينِ اليوميّ الذي يربطُ الحاضرَ بالمواسمِ الماضيةِ.
في ظلِّ الأزماتِ الحديثة، وخصوصًا منذُ جائحةِ كورونا، عادتِ المونةُ لتؤكّدَ مكانتَها كتراثٍ حيٍّ، خصوصًا لدى المغتربينَ الذين وجدوا فيها صلةَ وصلٍ مع الجنوبِ وذاكرتِهم الجماعيّةِ. فالمونةُ لم تكنْ يومًا مجرّدَ طعامٍ، بل ذاكرةً محفوظةً في الجرارِ، وحضورًا دائمًا للأرضِ في الغربةِ. فهي ممارسة اجتماعيّة وثقافيّة بامتياز، حيثُ تجتمعُ العائلاتُ حولَ تحضيراتِها، ويتحوّلُ العملُ إلى طقسٍ جماعيٍّ يُعزّزُ الروابطَ ويُنقِلُ التّراثَ عمليًّا بينَ الأجيالِ.
إلى جانبِ ذلك، تشملُ المونةُ تحضيراتٍ خاصّةً وصناعاتٍ منزليّةً تُغني المائدةَ الجنوبيّةَ، من المخلّلاتِ والصّلصاتِ إلى منتجاتِ النّحلِ والزّيوتِ العشبيّةِ، في لوحةٍ متكاملةٍ تعكسُ تنوّعَ الجنوبِ وثراءَه.
إذًا، تبقى المونةُ الجنوبيّةُ اللبنانيّةُ تراثًا حيًّا، يحملُ في تفاصيلِه تاريخَ الجنوبِ وعلاقتَه بالأرضِ والمواسمِ. فكلُّ برطمانٍ ليسَ مجرّدَ طعامٍ محفوظٍ، بل حكايةُ قريةٍ، وذاكرةُ بيتٍ، وصورةُ الجنوبِ كما عاشَه أهلُه جيلاً بعد جيل.