
أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًا من حياتنا اليومية، بدءًا من محركات البحث والتطبيقات التعليمية، وصولاً الى الأنظمة الطبية والمالية. ومع هذا التوسع السريع، تشير بعض التقديرات إلى أن نسبة كبيرة من المحتوى الرقمي تتم صياغتها بواسطة الذكاء الاصطناعي، ويقدر البعض إلى أن أكثر من 90% من هذا المحتوى قد يتم تشكيله بتقنيات الذكاء الاصطناعي في المستقبل القريب.
ولذلك، تدور واحدة من أكثر النقاشات شيوعاً اليوم حول مستقبل الوظائف: هل سيحل الذكاء الاصطناعي مكان وظائف البشر؟ يرتبط هذا السؤال المهم بأخلاقيات العمل وتوزيع الدخل، لكنه ليس الجدل الوحيد، بل هناك أثر بيئي كبير للذكاء الاصطناعي يطال حاضرنا ومستقبل كوكبنا.
يعتمد الذكاء الاصطناعي على مراكز بيانات ضخمة تستهلك كميات هائلة من الطاقة. وفقاً لوكالة الطاقة الدولية، يعود ما بين 15% و24% من استهلاك الكهرباء في مراكز البيانات إلى أعباء الذكاء الاصطناعي المتزايدة من خلال الاقبال الكثيف على استخدامه وتعلمه.
ولا يقف الاستهلاك عند حد الكهرباء فحسب، بل تتعداها حاجة التبريد المستمر باستخدام أنظمة تعتمد على الماء والطاقة، مما يزيد الضغط على موارد الطبيعة. وتشير دراسة حديثة إلى أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تستخدم ما يصل إلى نحو 765 مليار لتر من المياه سنويًا في عمليات التشغيل والتبريد، متفوقةً بذلك على الطلب العالمي للمياه المعبأة في الزجاجات.
أمّا من حيث الانبعاثات، فقد يُقدَّر أنّ الذكاء الاصطناعي يساهم في إطلاق ما بين 32.6 و79.7 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، مما يعادل انبعاثات دول متوسطة الحجم.
وفي هذا السياق، لا بد لنا أن نوضح أنّ هناك أثرًا لا يمكن تجاهله للاستخدامات الفردية. فعلى سبيل المثال، رغم أن كل استعلام نصي بسيط على نموذج ذكاء اصطناعي يستهلك كمية صغيرة من الكهرباء والمياه، الا أنها تتراكم مع مليارات الطلبات في اليوم الواحد، مما يؤدي إلى تأثير بيئي حقيقي عندما يُنظر إليه بشكل جماعي.
تُذكرنا إذًا هذه الأرقام بأن النقاش حول الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على احتمالية استبدال البشر في سوق العمل، بل يمتد إلى تأثير هذه التكنولوجيا على موارد الأرض التي نعيش عليها. وبالطبع، لا يقلل ذلك من أهمية القضايا الأخلاقية والعملية والاجتماعية الأخرى المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، لكن تأثيره البيئي الحالي والمستقبلي يظلّ واحداً من أبرز التحديات التي لا يمكن تجاهلها تحت شعار التقدم.
باختصار، إنّ الذكاء الاصطناعي ليس شرًّا مجسّدًا، بل هو أداة ذات حديْن، مثل أي أداة أخرى تتطلب منا أن نتعلم استخدامها وتطويرها بحكمة. وهكذا، فان استمرار هذا النمو دون ضوابط يؤدي إلى خسائر جسيمة تهمش الكثير من الفوائد التي نراها اليوم...