En | Ar

ما بعد الحرب ليس سلامًا: معاناة أطفال لبنان النفسيّة وحلول تقودها اليونسكو

 

لم تقتصر آثار الحروب والأزمات المتتالية التي مرّ بها لبنان على الدّمار الماديّ  فحسب، بل امتدت بشكل عميق إلى النسيج الاجتماعي والنفسي، وخصوصًا عند الأطفال. فالطفل الذي ينشأ في بيئة يسودها الخوف وعدم الاستقرار، ويشهد العنف أو التهجير أو فقدان أحد أفراد عائلته، يكون أكثر عرضةً للاضطرابات النفسيّة التي قد تلازمه لسنوات طويلة. ومع تداعيات الحرب الأخيرة والأزمات الاقتصاديّة والاجتماعيّة التي تراكمت على مرّ السنوات، برزت الصّحة النفسيّة للأطفال كإحدى أكثر القضايا إلحاحًا في لبنان.

تشير تقارير صادرة عن منظّمات دولية، ومن بينها اليونيسف، إلى ارتفاع ملحوظ في معدّلات القلق والاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة بين الأطفال، لا سيّما في المناطق التي تأثّرت بشكل مباشر بالعمليات العسكرية. كما لوحظ تداخل واضح بين التدهور النفسي وسوء التغذية والانقطاع عن التعليم، فباتت المشكلة متعدّدة الأبعاد وتتطلّب حلولًا شاملةً ومستدامةً.

 

تأثير الحرب على الصّحة النفسيّة ونموّ الأطفال

يمرّ الأطفال في سياق الحروب بتجارب قاسية تفوق قدرتهم على الاستيعاب النفسي. فمشاهد القصف، وفقدان الأمان، والنزوح القسري، والانفصال عن الأصدقاء أو الأقارب، كلّها عوامل تترك آثارًا نفسيةً عميقةً. وقد تتجلّى هذه الآثار في سلوكيّات مختلفة، مثل الانطواء، والعدوانية، وصعوبات النوم، وتراجع الأداء الدراسي، أو أعراض جسدية ذات منشأ نفسي.

ولا تقتصر خطورة هذه الاضطرابات على مرحلة الطفولة فحسب، بل تمتدّ لتؤثر على النمو العاطفي والاجتماعي والمعرفي للطفل. فالطفل الذي لا يتلقى دعمًا نفسيًا مناسبًا قد يواجه صعوبات في بناء علاقات اجتماعية صحية، أو في تطوير مهاراته التعليمية، ما ينعكس سلبًا على مستقبله وعلى المجتمع ككل.

 

الصّحة النفسيّة والتّعليم: علاقة متبادلة

يُعدّ التّعليم أحد أهم المساحات التي يتأثر فيها الأطفال نفسيًا، وفي الوقت نفسه يمكن أن يشكّل أداةً أساسيةً للتعافي. فالمدرسة ليست مكانًا للتعلّم الأكاديمي فحسب، بل هي أيضًا فضاء اجتماعي ونفسي يوفّر للطفل الإحساس بالروتين والاستقرار والانتماء.

إلا أنّ الأزمات المتلاحقة في لبنان أدت إلى تعطّل العملية التعليمية في العديد من المناطق، سواء بسبب الأوضاع الأمنية أو الأزمات الاقتصادية. وقد فاقم ذلك من الضغوطات النفسية على الأطفال، خصوصًا أولئك الذين فقدوا حقّهم في التّعليم المنتظم. من هنا، تبرز أهمية إدخال الدعم النفسي والاجتماعي ضمن النظام التعليمي، كجزء لا يتجزأ من الاستجابة للأزمات.

 

مبادرة اليونسكو لدعم الصّحة النفسيّة في المدارس اللّبنانيّة

في هذا السياق، أطلقت منظّمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، بالتعاون مع الحكومة اليابانية ووزارة التربية والتعليم العالي في لبنان، مبادرةً وطنيةً تهدف إلى دعم الصّحة النفسيّة والاجتماعيّة للتلاميذ والمعلّمين في نحو خمسين مدرسة رسمية.

تركّز هذه المبادرة على تعزيز ما يُعرف بـ"الدعم النفسي الاجتماعي"، وهو نهج يهدف إلى مساعدة الأطفال على التعامل مع الضغوطات النفسية، وبناء مهارات التكيّف والمرونة العاطفية، ضمن بيئة تعليمية آمنة وداعمة. وتشمل البرامج المقدّمة تدريب المعلّمين على التعرّف إلى علامات الضيق النفسي لدى التلاميذ، وتزويدهم بأدوات عملية للتعامل معها داخل الصفوف.

 

 

 

محاور الحلول التي تقترحها اليونسكو

 

1. دعم نفسي داخل المدرسة

تعمل المبادرة على تحويل المدرسة إلى مساحة آمنة نفسيًا، من خلال أنشطة جماعية وفردية تساعد الأطفال على التعبير عن مشاعرهم بطريقة صحيّة، مثل الرسم، واللعب التفاعلي، والنقاشات الموجّهة. وفي حال رُصدت حالات تحتاج إلى متابعة علاجية متخصّصة، يمكن إحالتها إلى مختصّين نفسيّين.

  

2. تمكين المعلّمين

يُعتبر المعلّم عنصرًا أساسيًا في أي تدخل نفسي مدرسي. لذلك، تركّز اليونسكو على تدريب الكادر التعليمي على مهارات الدعم النفسي الأولي، وإدارة الصفوف في سياقات الأزمات، والتواصل الفعّال مع التلاميذ وأهاليهم.

 

3. إشراك الأسرة والمجتمع

لا يمكن فصل الطفل عن بيئته الأسرية والمجتمعية. من هنا، تشجّع المبادرة على إشراك الأهالي في برامج التوعية حول الصّحة النفسيّة، وتعزيز دور الأسرة في توفير الدعم العاطفي للأطفال، بما يساهم في خلق شبكة حماية نفسية متكاملة.

 

4. الاستدامة وبناء القدرات

تهدف هذه البرامج إلى إحداث أثر طويل الأمد، من خلال بناء قدرات محلية داخل النظام التربوي، بدلًا من الاكتفاء بتدخلات مؤقتة. فالاستثمار في الصحة النفسية للأطفال هو استثمار في مستقبل لبنان واستقراره الاجتماعي.

 

 

يشكّل  تدهور الصحة النفسية لدى الأطفال في لبنان بعد الحرب  تحدّيًا وطنيًّا وإنسانيًّا هائلًا. فالأطفال هم الفئة الأكثر هشاشةً، وفي الوقت ذاته هم ركيزة المستقبل. وتُظهر المبادرات مثل تلك التي أطلقتها اليونسكو أن الحلول ممكنة، شرط توافر الإرادة السياسية، والدعم المؤسسي، والتعاون بين الجهات المحلية والدولية.

 

إنّ إشراك الصحة النفسية ضمن السياسات التعليميّة والصحيّة في لبنان لم يعد خيارًا، بل ضرورةً ملحّةً لحماية جيل كامل من آثار الحرب، ولتمكينه من بناء مستقبل أكثر أمانًا واستقرارًا

PARTAGER