الراعي في قداس اليسوعيّة: لبنان بحاجة إلى مسؤولين من نوع آخر
ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداسًا احتفاليًا في كنيسة مار يوسف للآباء اليسوعيين - شارع جامعة القدّيس يوسف في الاشرفية، لمناسبة بدء السنة الأكاديميّة الـ145 لجامعة القدّيس يوسف في بيروت والاحتفال بذكرى مئوية دولة لبنان الكبير، وذلك بدعوة من رئيس الجامعة البروفسور سليم دكّاش ومجلس الجامعة.
شارك إلى جانب البطريرك الراعي في الذبيحة الإلهية كلّ من الآباء: داني يونس (الرئيس الإقليمي للرهبانية اليسوعيّة في الشرق الأدنى والمغرب)؛ الأب دوني ماير (مندوب الرئيس الإقليمي في لبنان)؛ الأب صلاح أبو جودة (رئيس دير الآباء اليسوعيين في الأشرفية)؛ الأب سليم دكّاش (رئيس جامعة القدّيس يوسف في بيروت)؛ والمطران خليل علوان ولفيف من الأساقفة والكهنة والآباء وممثلي الرؤساء الثلاثة ورؤساء جمهورية سابقين ورسميين ودبلوماسيين وأكاديميين وطلاّب.
عظة الراعي
بعد الانجيل المقدس ألقى الراعي عظة بعنوان: "من تراه العبد الأمين الحكيم؟" (متى45:24) وقال: "في اللاهوت الكتابي، لكل شخص يولد في العالم دعوة خاصة من الله، مطلوب منه تمييزها، سواء في العائلة أم في المجتمع أم في الكنيسة أم في الدولة. ولذلك يطلق عليه لقب "عبد" المشتق من فعل "عبد"، ويعني "العابد"، المؤمن المحب لله الذي يتجلى حبّه في أفعال العبادة. ويعني بالتالي الشخص الذي يختاره الله لرسالة معينة يحقق بواسطتها تصميمه الإلهي (...) يطلب من العبد، أكان شخصا فردا أم جماعة، أن يتصف بالأمانة والحكمة. هذا ما يقتضيه منا الرب يسوع بقوله في إنجيل اليوم: "من تراه العبد الأمين الحكيم الذي أقامه سيده على بني بيته، ليعطيهم الطعام في حينه" (متى45:24)".
أضاف: "في ضوء هذا الكلام الإنجيلي، الرهبنة اليسوعيّة وجامعة القدّيس يوسف في بيروت تنعمان بلقب "عبد الرب"، وتؤتمنان على رسالة عظيمة في الكنيسة والمجتمع والوطن، وهي تنشئة الإنسان روحيًا وعلميًا وأخلاقيًا، وإعداده لتمييز دعوته في الحياة، وصنع خياراته الصائبة، والقيام بواجب حالته بروح المسؤولية. هذا هو الطعام الذي يطلب الله من عبده أن يعطيه لبني بيته (راجع متى45:24)، وجامعة القدّيس يوسف تعطيه بمختلف كلياتها ومعاهدها، لأجيالنا في لبنان منذ 145 سنة. هذا فضلا عن "طعام" كلمة الله كرازة وتعليمًا وإرشادًا، ونعمة الأسرار تقديسًا، والتعليم الرفيع تربية للأجيال الطالعة. هذا "الطعام" قدمه الآباء اليسوعيون منذ وجودهم في لبنان. فإني أحييهم وأشكرهم بإسم الكنيسة، راجيًا للرهبنة وأبنائها ومؤسساتها فيض النعم السماوية".
وعن ذكرى مئوية لبنان الكيبر قال الراعي: "يسعدنا أن نحتفل معا بهذه الليتورجيا الإلهية، بمناسبة مرور 145 سنة على تأسيس هذه الجامعة الزاهرة، وإطلاق النشاطات لمناسبة إعلان دولة لبنان الكبير. وتتخذ المناسبتان رونقهما من ارتباطهما الروحي والعلمي والوطني بالمكرم البطريرك الياس بطرس الحويك، الذي تلقى تربيته الإكليريكية والكهنوتية على يد الآباء اليسوعيين في إكليريكية غزير من سنة 1859 إلى 1866، قبل إرساله إلى روما. وعبر في رسالة إلى الآباء سنة 1902، بعد انتخابه بطريركًا بثلاث سنوات، وفي زيارته للجامعة في 29 كانون الاول 1919، عن امتنانه "لمعلميه الذين أغدقوا عليه كنوز علمهم والتزامهم ومحبة قلوبهم". وفي سني بطريركيته الإثنتين والثلاثين كان على تعاون واتصال دائمين مع الآباء اليسوعيين وبخاصة مع رئيس الجامعة آنذاك الأب .Cattin
ويطيب لي التأكيد أن التاريخ يتواصل. فأنا شخصيًا تتلمذت للآباء اليسوعيين الأحبّاء في غزير لمدة سنة، وفي مدرسة الجمهور لخمس سنوات. وكانت لي معهم علاقات مودة وتعاون أثناء حياتي في الرهبانية المارونية المريميّة، وحياتي الأسقفية روحيًا وراعويًا وتعليمًا إذ تشرفت بتعليم مادة الأحوال الشخصية في كلية الحقوق والعلوم السياسية لمدة عشر سنوات. واليوم كبطريرك أتطلع إلى المزيد من التعاون معهم في خدمة الكنيسة ولبنان. وهي مناسبة لأعرب بدوري عن امتناني وشكري وتقديري لكل واحد منهم، وللجماعة بشخص الرئيس الإقليمي عزيزنا الأب داني يونس".
وقال: "يسعدني أن ألبي شاكرًا من القلب دعوة عزيزنا رئيس جامعة القدّيس يوسف البروفسور سليم دكّاش، للقيام بهذا الاحتفال المهيب. أن نطلق نشاطات جامعة القدّيس يوسف لمناسبة إعلان دولة لبنان الكبير، بالترابط مع الاحتفال بمرور 145 سنة على تأسيسها، فلأن الآباء اليسوعيين عاونوا البطريرك الحويك في رحلته إلى مؤتمر الصلح في فرساي سنة 1919، ولا سيّما في الوفد الثالث برئاسة المطران عبدالله الخوري، حتى بلوغ "إعلان دولة لبنان الكبير في أول أيلول 1920؛ ولأن جامعة القدّيس يوسف كانت الجامعة الكاثوليكية الوحيدة التي ربت وخرجت معظم رجالات الدولة والاستقلال، ومن بينهم "عباقرة" دستور سنة 1926، والميثاق الوطني سنة 1943 المكرس في وثيقة الوفاق الوطني سنة 1989.
وتابع الراعي: "هذه الوثائق ثبتت قيم لبنان التأسيسية: وهي الاستقلال المتحرر من أي تبعية، الوطن النهائي لجميع أبنائه في حدوده المعترف بها دوليا، الوحدة في التنوع، الحريات العامة الدينية والثقافية والسياسية، العيش معا كمسيحيين ومسلمين بالمساواة في الحقوق والواجبات، المشاركة المتوازنة في الحكم والإدارة، ولبنان النموذج والرسالة عربيًا ودوليًا".
وتابع: "هذه القيم تشكل فلسفة الصيغة اللبنانية التي تتلخص باستيعاب الواقع المجتمعي التعددي في إطار كيان سياسي موحد، تشارك الطوائف فيه في ممارسة السلطة، بهدف بناء دولة تحقق العدالة والأمن والاستقرار، وتوفر العيش الكريم لأبنائها، فيقوى انتماؤهم الوطني لإقتناعهم بأن الدولة تشكل ضمانة لهم جميعا، من دون حاجة لأي ضمانة أخرى، وتتعزز بذلك الوحدة الوطنية وتترسخ ويغدو العيش المشترك حقيقة واقعية.
ولكننا ندرك أسف جامعة القدّيس يوسف، كما سواها من الجامعات التي تربي الأجيال وفقا لروح الدستور ونصه وفلسفة الميثاق الوطني، عندما تشاهد على أرض الواقع النقيض لما تعلم وتربي، في الممارسة السياسية عندنا. فنحن معكم نرفض استثارة العصبيات الطائفية والمذهبية على اوسع نطاق، واستخدامها كأداة في العمل السياسي لاستقطاب الجماهير. الأمر الذي عمق الانقسامات الطائفية والمذهبية، وأدى إلى تشويه مفهوم المشاركة الطوائفية في السلطة. فبدلا من أن تكون مشاركة في بناء دولة تصون وحدتها والعيش المشترك، وتوفر الأمن والاستقرار والعيش الكريم لأبنائها، غدت المشاركة وسيلة لتقاسم النفوذ والوظائف والمكاسب بين السياسيين، ونهب المال العام، وتوزيع مقدرات الدولة حصصا بينهم بإسم الطوائف. مما أدى إلى إضعاف الدولة وإغراقها في الديون، وإلى جعل شبابها جماعة متظاهرين وقاطعي طرق ومهاجري الوطن، فيما هم ضمانة مستقبله. ولذا، لا نستطيع السكوت عن هذه الممارسة المخالفة للدستور ولفلسفة الميثاق الوطني، والمقوضة لأوصال الدولة، وإفقار شعبها، وخنق طموحات شبابها".
وقال: "لبنان بحاجة إلى مسؤولين جدد من نوع آخر، ومطلوب من الكنيسة إعدادهم وتشجيعهم ومواكبتهم. فإنها تحتفظ بحق التمييز بين التراجع والتقدم، وبين التطور النهضوي والتطور الانحطاطي، وبين المعرفة التي تؤدي إلى الحقيقة والإيمان، وبين المعرفة التي تنزلق إلى الضلال والشك. في كل ذلك الكنيسة ترفع صوتها، وتعطي صوتا لمن لا صوت له. ولذا، أعين الشعب تنظر اليوم إليها. فكما كانت الرائدة في إنشاء الدولة - الوطن في مطلع القرن الماضي، مدعوة هي اليوم إلى تحصين هذا الكيان بمجتمع صافي الولاء، لبناني الهوية، عصري الوجه، مدني القوانين، راقي التقاليد، وقادر على احتضان هذه التجربة الفذة ومنعها من الانهيار. الكنيسة قادرة على ذلك، لأنها تمتلك المدرسة والجامعة. فعلى مقاعدها يتهيأ مستقبل الدولة والوطن".
وختم الراعي: "يقتضي منا المسيح الرب أن نكون أمناء وحكماء في ممارسة ما نحن مؤتمنون عليه تجاه الجماعة. فالأمانة هي من صفات الله الأمين لمحبته ورحمته. ونحن مدعوون لنكون أمناء على مثاله: أمناء تجاهه وهو الداعي والموكل، وتجاه مسؤولية الحالة الشخصية، وتجاه الجماعة التي في عهدتنا. أما الحكمة فهي أولى مواهب الروح القدس السبع التي تؤهلنا لننظر إلى الأمور من منظار الله، ونستلهمه في أي قرار وعمل. وتبلغ فضيلة الحكمة ذروتها في "مخافة الله" التي هي السهر الدائم على مرضاته وتجنب اية إساءة مقصودة له.
بهاتين الفضيلتين تواصل جامعة القدّيس يوسف رسالتها، ونطلق النشاطات لمناسبة الاحتفال بمئوية إعلان دولة لبنان الكبير، لمجد الله الأعظم".
كلمة دكّاش
من جهته ألقى البروفسور دكّاش الكلمة التالية:
"باسم الرئيس الإقليميّ للرهبانيّة اليسوعيّة في الشرق الأدنى والمغرب العربيّ الأب داني يونس، وباسم مجلس الجامعة، وباسمكم جميعًا أهل الجامعة وأصدقائها، أتيتم للصلاة معنا في هذه الكنيسة التاريخيّة، أرحّب بكم أجمل الترحيب وبأبينا صاحب الغبطة والنيافة الكاردينال مار بشاره بطرس الراعي السامي الاحترام، الذي لبّى النداء مشكورًا من الفكر والقلب للاحتفال معنا بالذكرى المئويّة لإعلان دولة لبنان الكبير كما أراده سلفه صاحب الغبطة المثلّث الرحمة مار الياس بطرس الحويّك، وإقامة الذبيحة الإلهيّة في بداية هذه السنة الأكاديميّة الماية والخمس والأربعين من عمر الجامعة اليسوعيّة.
إنّنا نفرح بأن نستقبل على رأس الاحتفال فخامة رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون ممثّلاً بمعالي الوزير منصور بطيش، وبدولة رئيس مجلس النوّاب الأستاذ نبيه برّي ممثّلاً بسعادة النائب هنري حلو، وبدولة رئيس مجلس الوزراء الشيخ سعد الحريري ممثّلاً بمعالي الوزير منصور بطيش.
فلهم منّا الشكر على حضورهم وتثمينهم لرسالة الجامعة وأعمالها.
أودّ أيضًا أن أشكر من صميم القلب سعادة السفير البابويّ جوزف سبيتري الذي يرافق أعمال الجامعة، وسيادة المطران بولس عبد الساتر رئيس أساقفة بيروت وأبرشيّتها المارونيّة لحضوره الأبويّ معنا اليوم، وأشكر أيضًا سيادة المطران سيزار إسيان رئيس أبرشيّة اللاتين في لبنان ممثّلاً بالرئيس الإقليميّ للآباء اللعازريين الأب زياد حدّاد، كما أرحّب وأشكر كلّ المقامات الروحيّة والمدنيّة التي أمّت هذه الكنيسة اليوم للمشاركة في هذا القدّاس.
قبل السنة 1975 ولمدّة طويلة، كان يقام سنويًّا قدّاس استدعاء للروح القدس في بداية السنة الأكاديميّة للجامعة، وها نحن اليوم نرفع صلاتنا إلى الله تعالى، الروح القدس، لكي ينير طريقنا، طريق أسرة الجامعة ورسالتها، طريق لبنان العزيز على قلوبنا وفكرنا لنستعيد جميعًا العافية والشجاعة ولكي تتحوّل قلوبنا وخواطرنا نحو خدمة مجد الله الأعظم. آمين".
French
Arabic