كلمة البروفسور الأب سليم دكّاش اليسوعيّ

أيّها العزيز الدكتور فكتور الككّ المحترم،
لقد اتّصلت بي منذ مدّة تخبرني أنّ تكريمًا لك سوف يجري اليوم في مقرّ رئاسة الجامعة اللبنانيّة في منطقة المتحف، فسُررت جدًّا لهذا الخبر لأَمرَين :
الأوّل إنّ التكريم لشخصك هو واجبٌ لا لموقع تبوّأته بل لما أسهمت به في ميادين الحضارة والثقافة، والثاني إنّ تكريم الدكتور فكتور الككّ مهما كان نوع التكريم هو دفع لنا جميعًا بأنّ نستمرّ في النضال الأدبيّ واللغويّ والوجدانيّ والفلسفيّ على خطاه، في وقت أصبح فيه الأدبُ والعمل الأدبيّ بمختلف نواحيه سرابًا بعد أنّ كان إدمانًا والتزامًا.
إلاّ أنّي انعبقتُ عندما طلبتَ منّي أن أُلْقِيَ كلمة في المناسبة، وفكّرتُ أن أقول لا لستُ المرجعَ في ذلك حيث لا أعرفك بما فيه الكفاية. إلاّ أنّ لساني هذه المرّة بقي لصيقًا في مكانه، حيث لم يستطع أنّ يتهرّب من مسؤوليّته، فقال نَعَم طالبًا بعض المعطيات لِيَقدِرَ على كتابة كلمة في حقِّ أستاذٍ علّم الأجيال وعالمٍ أغنى ثقافة العرب والفرس وانتقلت شهرته إلى ثقافات أخرى. لقد طلبت منّي أن أتكلّم عشر دقائق أو أكثر والواقع أنّ لا عشر دقائق ولا عشر ساعات تفيك حقّك يا أستاذي، وقد أصبحت علمًا من أعلام بلادي، أسترجع ما قاله فيك منذ اثنتين وخمسين سنة أستاذك مؤسّس الجامعة اللبنانيّة واليسوعيّ أكثر من اليسوعيّين والمعلّم في معهد الآداب الشرقيّة ورئيس تحرير مجلّة "المشرق"، الرئيس فؤاد أفرام البستاني وذلك في تقديمه لكتابك بديعات الزمان، بحثٌ تاريخيّ تحليليّ من مقامات الهمذاني، حيث قال البستانيّ :"يسرّني أنّ أقدّم هذا البحث التاريخيّ الأدبيّ في "مقامات" بديع الزمان نموذجًا من دراسات خرّيجي "معهد المعلّمين العاليّ" في الجامعة اللبنانيّة، وقد عرفتُ فيه - أيّ المؤلّف فكتور
الككّ - تلميذًا جلودًا، وباحثًا طُلَعَة، لا يقف في نصف فَهْم ولا يقتنع بشرحٍ سطحيّ. هذا كان شأنه طالبًا في سنوات "الإجازة" في الأدب العربيّ، وهذا شأنه باحثًا في الكفاءة". فكانت هذه الرسالة من خيرة مثيلاتـها". وكان فؤاد أفرام البستاني نبويًّا في كلامه عندما ختم قائلاً :"إن المؤلّف قد التحق بجامعة طهران مقتفيًا خطى بديع الزمان، فيُتَمِّم ثقافته العربيّة بدراسة الحضارة الفارسيّة في معاهدَ ومواطنَ طالما كانت مباءات اللغة ومثابات الأدب".
عندما يقول فيك فؤاد أفرام البستاني ما استرجعناه للتوّ فما عساي اليوم أقول فيك أيّها الأمين العامّ للمجمع الثقافيّ العربيّ ويا أيّها المحاضر الذي استمعتُ إليه مرّتَين بشغف من الألف إلى الياء ويا صاحب كرسيّ الدراسات الفارسيّة في الجامعة اللبنانيّة ويا أيّها الحامل الدكتوراه ولثلاث مرّاتٍ في اللغة الفارسيّة وآدابـها وفي اللغة العربيّة وآدابـها وفي الفلسفة وتيّاراتـها ومواضيعها، عدا المسؤوليّات الأخرى التي حملتها ومنها ما تحمله حتّى اليوم كرئاسة تحرير المجلاّت الأدبيّة من أكثر من صنفٍ ولونٍ؟ وما عساي أقول بلغتي المضطربة ولساني المشتّت أمام لغويّ يمتلك القدرة على التمكّن من نواحي اللغات العربيّة والفرنسيّة والانكليزيّة والألمانيّة والأُردية والفارسيّة والفارسيّة القديمة والفارسيّة الابستاقيّة والفارسيّة الفهلويّة والفارسيّة الدرّية والعبريّة والسريانيّة واللاتينيّة؟ لن أستفيض في نقل معلومات ربّما هي معروفة إلاّ أنّها تظهر علوّ الكفاءة والمقدرة، حيث إنّ الدكتورة زاهية قدّوره عميد كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة في الجامعة اللبنانيّة لم تقصّر عندما قالت في شهادةٍ في فكتور الككّ :"إنّه غزير المادّة، صارمٌ في منهجيّته، فريد في حماسته ونشاطه وقد استقطب طلاّب كليّات كثيرة في بيروت من الجامعة اللبنانيّة ومن خارج هذه الجامعة".
أيّها الصديق العزيز فكتور، أمام هذا الثراء المعنويّ والأدبيّ، الذي تتمتّعون به والذي يصعب على المرء تقييمه، أسمح لنفسي أن أتوقّف عند ثلاثة :
أوّلاً : أحبُّ تعلّقك بإيران وبالثقافة الفارسيّة. عندما تتحدّث عن إيران كأنّما تتحدّث عن جزء من وجودك وعاطفتك وعائلتك. عندما تدعوني إلى زيارة هذا البلد العظيم بتاريخه وحضارته، تقول لي إنّ من لا يزور ولو لمرّة واحدة بلاد فارس، وخصوصًا أهل لبنان الذي تربطهم بهذه البلاد أواصر الصداقة والمصاهرة والاقتناعات الدينيّة والروحيّة، فإنّه ينقصه الكثير. فعلاقتك بالوطن الإيرانيّ ليست عن طلب وجاهة أو لمصلحة ماديّة أو سياسيّة، إنّما الدافع هو الحبّ الذي تكنّه دفينًا لتلك البلاد وأبنائها. وهنا إسمح لي بالعودة إلى إحدى المحاضرات التي ألقيتها في جبيل في السنة 2006 باللغة الفرنسيّة حول "اللغات كمصدر سوء تفاهم" فتقول : لنَعُد إلى سوء التفاهم الكامن في اللغة، ولنَعُد في الوقت عينه إلى قول أرسطو الشهير :"لكلّ لغة روح". فإذا أردنا فهمَ لغتنا، ينبغي ألا نتوقّف فيها إلى ما هو من باب العاديّات. ينبغي أن نتفحّص أعماق روحها أيّ أبعادها النفسيّة والذهنيّة الحاملة إرثًا ثقافيًّا واجتماعيًّا جماعيًّا، نقله إلينا جيلاً بعد جيل أجدادنا، وهو إرث تأقلم مع أشكال وألوان الزمان والمكان. ولكيّ نفهم اللغات الأخرى يجدر بنا أن نسير وفق هذه الأصول. إنّها الطريقة التي ينبغي علينا اعتمادها لنفهم الآخر". وتختم كلامك في هذه النظريّة في علاقة اللغة بواقعها الاجتماعيّ والنفسيّ والبشريّ وهي نظريّة مجدِّدة قائلاً: "بالمختصر، أن تفهم ذلك يعني أنّك تحبّ. مع الحبّ، تسقط كلّ الجدران الصُوَريّة سقوطًا عظيمًا. وتقول أيضًا لقد تعلّمتُ الفارسيّة في الجامعة وأنا في سنّ البلوغ، على نقيض تعلّمي الفرنسيّة والانكليزيّة. وبالرغم من هذا التأخّر الزمنيّ، لقد أجدتُ في الفارسيّة واستطعتُ تعليم الأدب الفارسيّ للفرس على مستوى الدراسات العُليا في جامعة طهران من 1976 إلى 1979. فاللغة الفارسيّة وآدابـها التي كنت اكتشفتها بالترجمة عبر عمر الخيّام عندما كنت في الصفّ الثالث تكميلي، فتحت لي واسعًا وبعد حين فهمَ روح الشعب الإيرانيّ وهي روح معقّدة، عميقة وغنيّة بالتجارب الألفيّة". وتقول أيضًا إنّك انتظرتَ أربعين سنة لترجمة المتصوّفة الإيرانيّين مثل سعدي وحافظ وجلال الدين الرومي والرُّدُقي والفردوسيّ وغيرهم... وذلك لأنّك أردت أن تسبر أعماق روح اللغة الفارسيّة وآدابها سبرًا عميقًا فيأتي النصّ المترجم نصًّا بهيًّا أنيقًا منتظمًا مع أعماق الروح التي تحيي تلك اللغة.
ثانيًا : هو الحبّ الذي قادك إلى أن تكون رجلاً مميّزًا في الحديث والكتابة والفكر والتعليم في حوار الثقافات والحضارات والأديان ولقد أصبحت داعية لهذا الحوار في جوّ يكثر الدجّالون في هذا المضمار. من هذا المنطلق كم من مرّة صادفتُ في كتاباتك، تلك الدعوة إلى الحوار بين العرب والإيرانيّين، من موقع حضاريّ وثقافيّ وإلاّ لكانت الخسارة لاحقة بالجميع. وهذه الدعوة إلى الحوار رافقت مسيرتكم الفكريّة والأدبيّة والفلسفيّة منذ أكثر من نصف قرن عملتم خلاله لاستخلاص القواسم المشتركة بين الآداب والشعوب والبحث في طرق التقارب والتفاهم والتآلف في معهد الدراسات الإسلاميّة والمسيحيّة في جامعة القدّيس يوسف الذي يُعنى بالدراسات المقارنة والعلاقات بين الدينين، تقوم بتدريس مادّة الفلسفة العربيّة والحوار حيث يُجيد الطلاّب معك ولديك، بحسب ما يشهدون ويقولون، تلك القراءة العميقة لصفحات الفلسفة العربيّة وخطابها العميق المعاني في أساسيّة الفرد وحقوقه وعلاقته بالآخر ومشاكله حيث أنّ السّمة الرئيسيّة للفلسفة العربيّة، كما تقول، هو الفرد وعلاقته بالجماعة وكيف أنّ هذا الفرد يعيش غربة اجتماعيّة عن السلطة وعن الآخر المختلف، ويعيش شعورًا قويًّا بأن حقوقه مُستلبة غائبة وأنّ الحريّة ليست إلاّ شعارًا أجوف. فمثل الربيع العربيّ، كنتَ واعيًا لحالة الفرد العربيّ وللأزمة الوجوديّة التي يعاني منها ولضرورة الدخول في حوار عميق لتداركها ووجود الحلول لها. وفي معهد العلوم السياسيّة في كليّة الحقوق في اليسوعيّة، تقوم بتدريس مادّة حضارات الشرق الأوسط باللغة الفرنسيّة فتكرّس وقتًا غير قليل لموضوع السياسة والمجتمع في إيران حيث يتابعك الطلاّب بشغف وانتباه لأنّ ما يقوله البروفسور الككّ في هذا المجال يأتي عن معرفة وعن خبرة عميقة بروح الشعب الإيرانيّ ومجتمعه، لا عن مجرّد نظريّات تُركّب في بعض الدواوين المظلمة. وفي كلّ هذه الدروس، نعرف كم تشدّدون على قوّة الحضارات والثقافات في انفتاحها الداخليّ على الحوار والمحاورة لبناء الحضارة ولبناء العلاقة المستقيمة بين الحضارات.
ثالثًا : أنا مُنحسد منك يا صديقي فكتور لأنّك لا تستكين ولا تعرف ما هو التقاعد وما هو سنّ التقاعد، حيث إنّ لديك روحًا مستعدّة ومتوثبة دومًا للمساعدة وللتدريس والبحث والمحاورة وكأنّ عمرك توقّف عند مرحلة الشباب. فعندما يُطلب منك إسهام في ندوةٍ أو لإلقاء محاضرة، فأنت هنا دومًا على استعداد؛ وعندما يُطلب منك قراءة أطروحة من أطاريح الطلاّب الإيرانيّين في مرحلة الدكتوراه فأنت واقفٌ على الباب مستعدٌ للمساعدة. فشكرًا لك على هذه الروح الطيّبة المعطاء الغزيرة الانتاج والغنيّة بالعرفان التي هي نموذج يُعطى للطلاّب وللأساتذة أيضًا. شكرًا لك لأنّك تعمل دومًا على التقريب بين الأبعدين بهذه الثقافة الإنسانيّة والروحيّة الواسعة التي تمتلكها والتي عالمنا اليوم بحاجة إليها وسط الضياع والصراخ والقهر وتغلّب ثقافة الموت على حبّ الحياة.
إنّ من هو مدمن على قراءة قصائد مولانا جلال الدين الروميّ كما تقول في إحدى المقابلات، وذلك منذ خمس وأربعين سنة، أصبح مثلاً يُحتذى به في ذوقه وفي عرفانه الروحيّ وتفوّق لغة القلب الذكيّ المنفتح على الآخر على لغة العقل اليابس الجامد الذي لا يرى سوى مصلحته الأنانيّة كما في أيّامنا. إلاّ أن تهنئتي اليوم تشمل القلب والعقل معًا، من قلبي وعقلي، وإلى فكتور صاحب القلب الذكي المتوهّج والعقل المبدع الأمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ